من مجلة "شعر" إلى "جهة الشّعر".. ورشة أمل
- آمال نوار
- Mar 22, 2018
- 6 min read
آمال نوار
العربي الجديد - ضفة ثالثة 19 مارس 2018

"أينما أذهب أَجِد أنَّ شاعرًا كان هُناك قبلي"
سيغموند فرويد
بين مجلة "شعر" و"جهة الشِّعر"، بنى الأمل ورشته لأجل أنْ ينال الشِّعر حصته في الولع. هما تجربتان تشتركان في الرِّيادة (كل بطريقتها) وفِي تقزيح الشِّعر بألوان الحداثة ومنحه فضاءات من الحرية خالية من عسس الليل.
ليس سؤالنا المُلِحّ: متّى توقّفت مجلة "شعر"؟ بل ماذا فعلت بالشعر ولأجله؟ إنّها تحضر كحجر أساس في زلزال الحداثة الشعرية العربية، وكذا "جهة الشِّعر"، في رأينا، تحضر كحركة سحريّة بارقة، حلّقت بالشِّعر بأجنحة عصريّة، فكان فِعْلها يتعدّى عمرها الزمنيّ بأحلامٍ تفيض من القَدَح، ونحدس بأنّها تمامًا كمجلة "شعر" سيبقى لأثرها ارتدادته في مستقبل الشِّعر.
بالطبع ثمة اختلافات صارخة بين الشاعرين: يوسف الخال وقاسم حداد، سواء على المستوى الشِعري أو الشَّخصي، فضلًا عن أنّ الأول لم يكن وحده في المُغامرة، كما هي الحال مع الثاني، غير أنّ وجه الشبه يكمن في القفزة النوعية التي حلّقا فيها عاليًا بالشِّعر صوب الفضاء الكوني، وذلك عبر الانفتاح على عوالم الحداثةِ المتعددةِ المسارات والآليات والتقنيات، كل بحسب ما أتاح له زمنه.
وإنْ كانتِ اللُّغة وما وراءها، وقصيدة النثر، وورشة الترجمة، مشاغل مجلة "شعر" الأساس، فقد جاء موقع "جهة الشعر"، بعد ربع قرن من توقّف الأُولى، ليُجاري مُستجدات العصر، وليقفز بالشِّعر قفزةً أعلى بعد، فيطلقه في فضاء الإنترنت، في محاولةٍ لعِلاج المسافة بين ثقافة ورقيةٍ مُهدَّدة، وثقافة رقمية بدأت تُسيطّر على المستقبل. لقد أتاحت تقنيّة النشر الإلكتروني مقومات سحريّة، أقلّها اختزال المسافة والزمن، والتواصل العميق بين الثقافات والأجيال، ثم ميزة النشر الفوري لمُجاراة طبيعة الحياة المُتسارعة، فَغَزُر النتاج الكِتابي، ونشطت حركة التبادل المعرفي والتلاقح الثقافي، في أُفقِ الانفتاح المُتاح في الموقع للاطلاع على نتاجات عربية وعالمية أُخرى.
بين الماضي والحاضر
بالعودة إلى الوراء سنجد: إنّ هزيمة ٦٧ كانت قد قلبت المِزَاج العربي المُتناحر آنذاك بين مدّ شيوعي ومدّ قومي، وأبعدته - هو المُتحفِّظ والتقليدي أصلًا - عن مناخات شعريّة وفنيّة، لا سيّما في قالبها الحداثوي المتقدّم والمُتحدّي، من أجل أن يمنح الأولوية للبُندقية. وسنجد أنّ مجلة "شعر" وقتها، لم تفلح في استقطاب هذا المِزاج مجددًا، حتّى بعد تبنِّيها لشعرية المقاومة الفلسطينية - هي المعروفة بهواها اليميني الغربي - فكان أنْ وقعتْ في عَجَز مادّي، اضطّرها نهايةً إلى الاستسلام للواقع اللامُبالي والرَّحيل.
وبالنَّظر إلى الحاضر سنجد: إنّ الظروف المحيطة بموقع "الجهة" مماثلة، إنما بدرجة أسوأ. والحقّ أنّ حروبنا الكونية الجارية اليوم، لَهِي أشدّ وقعًا على المِزاج العربي الحالي. والمواطن العربي عمومًا، وإنْ انفتح على آفاق حركات التحرّر الغربية الفاتنة في الستينيات، وإنْ حاول ُلُبْس جُلُود إيديولوجيات عالمية متقدمة، إلّا إنّ تفاعله الحضاري في معظمه، ظلَّ على مستوى الأزياء الفكرية والفنيّة والأدبية، ولم يغرف معرفته من تجربته الحَيّة، بل استعار أسئلته ومعها أجوبته، ولذا ما إنْ واجهته أزمة وجود حقيقية تحتاج إلى وعي حضاري متقدم، حتى وجدناه بمعظمه يعود الى جِلْده الأصليّ، وحتّى إلى كهوف إرثية فكرية مُوغلة تحت جلده. ولذا عادت عنده الأولوية اليوم للسيف قبل البندقية، وبات من نافل القول: إنّ الشعر ومآلاته والفن ومساراته (باستثناء الكيتش والشعبي التجاري) لم يعودوا ليشغلوا مساحة أُنْمُلة في المِزاج العربي. وفي هكذا واقع مأساوي، لن نستغرب بالطبع مصير "جهة الشعر"، وفي كونه يحذو حذو مجلة "شعر". وربما يصبح السؤال عن سبب احتجاب الموقع بعد مسيرة اثنين وعشرين عامًا، الأصّح استبداله: بِكيف استطاع الموقع أن يستمر طوال هذه الأعوام وحتّى الآن؟!
وحده قاسم حداد أشرف على الموقع، كرّس له شموسًا زرقاء من باطن شغفه ورؤياه. وحاول جاهدًا مواكبة التطور السريع في تقنيات الانترنت مطورًا الموقع، ومضيفًا لغاتٍ جديدة وأبواب بحث.
ولكن هو والخال كانا يعرفان منذ البداية أنهما لن يبلغا المستحيل بالشِّعر. قاسم عمل بمقولة رينيه شار واستخدم المستحيل قنديلًا، فاستضاءت بفضائه الأزرق تجارب شعرية وأدبية من أجيال مختلفة، منها أسماء كُرِّسَت، واُخرى تُرْجِمَت، وثالثة نَضَجَت. أمّا الخال فقد ترك المستحيل لشأنه، وكان سعيدًا بأنْ يلقى ربّه وفِي يمينه المفتاح الذَّهبي لحركة الحداثة الشعرية العربية.
أستطيعُ الجزمَ من الآن بأنّ أيّ اختراقات نوعية في مَسارات الشِّعر مُستقبلًا، لن يكون مصيرها مُغايرًا لمصير مجلة "شعر" أو "جهة الشِّعر". لأنّ هذه الاختراقات عادةً ما تكون مُتجاوزة لزمانها وواقعها الاجتماعي بإبداعها ورؤياها النافذة. إنّها تُحدث زلزالها وتمضي. قد تستنير بها النُخبة المُثقفة والمُتنورة فقط، لكنْ سيعجز مجتمعٌ، لا يزال في الخلف، من اللحاق بأحلامها، ولا سيّما في وقتِ الحروب، حيث لا شيء حينها يستحقُ اللحاقَ به سوى الرَّغيف.
في كلِّ الأحوال، ما من أحد بوسعه أن يلحقَ بحُلم قاسم حدّاد، لا في الحرب ولا في السِّلم. مَنْ يعرف هذا الرجل، سيصله البَرْق ويليه الرَّعد مُتأخّرين، لأنّه سيكونُ قد أصبح في حُلم آخر.
"جهة الشِّعر" حُلم تحقّق، والأغلب أنّه تجاوز نفسه إلى أحلامِ آخرين، فكان النشر فيه امتيازًا، ثم بات أرشيفًا لكُتّابٍ، وملفات، وترجمات بسبع لغات. ويومَ اقترحتُ على قاسم إعداد ملفاتٍ حول مناسبات شعرية على أن يمنحني جهةً صغيرة في جهته، جاء الردُّ بأنْ فرش لي سجّادة ذَهَب؛ فكانت "مواسم حصاد النبيذ".
قاسم والإثنان والعشرون غرامًا
لعلّ أكثر ما سنأسف لأجله مع احتجاب "الجهة" هو مناخ الحريّة الذي كانت توفّره لكلِّ المُشاركات بعيدًا عن المواقف الشخصية. حِكمة قاسم حداد، وسُمُوّه الفكري والأخلاقي، ومهنيته العالية، لم تجعلنا نشعر بأنّ هذا الموقع يُديره شخصٌ بذائقةٍ واحدةٍ، واتّجاه واحد، بل قوس قزح من الأذواق والمواقف التي تسعى دومًا نحو مقترحات جديدة من دون التفريط بالشرط الجمالي.
واليوم برغم تكاثر المواقع الثقافية، إلّا إنّ أُفق النشر يضيق، وقليلة هي المنابر التي ترتقي بنفسها، وتُنقذ الأدب والفن والثقافة من هذه المعمعة الحاصلة.
سيبقى "جهة الشِّعر" للمستقبل نموذجًا يُحتذى. فقد كان من أشدّ المواقع انحيازًا للابداع. لم يأخذ بغير الشَّرط الإبداعي، ونهض بالمستوى الثقافي والنقدي، بعيدًا عن معطيات مسبقة تتعلّق بالمُبدع: عمره، عدد مؤلفاته، لقبه، تجربته، عدد ألسنته الخ... هذا كلّه لم يكن ليضيف أو ينقص من وزن المادة نفسها في ميزان الإبداع. ستنالُ الغبطة من أسارير قلوبنا إنْ نالت نصوصَنا مقامًا لها في "جهة القلب". سوف نتأكّد حينها (نحن الشعراء غير الوثوقيين) بأنّها مادّة مُستحقة فعلًا، لأنها وقعت تحت نظر جهة مُحايدة تصطاد الجمال بعَيْن النَّسْر ثم تعودُ لتجعلَ من فريستها البطل!
هكذا دائمًا هو قاسم حداد؛ ذئبٌ جميلٌ ينحني للجمال. مُحَرِّكُه الحُّب، لا أقلّ من ذلك، لا مصالح، ولا محسوبيات، ولا دُيون شخصية. بالحُّب أخذ "جهته" صوب الشِّعر فقط؛ الشِّعر بمعناه الأعمق والأوسع، والذي لم يعد حِكرًا على القصيدة، وإنّما دخل في شتّى أجناس الكتابة والفنون، لا سيّما التشكيلية والبصرية والإخراج الفني. لولا الحُّب لما صمد الحُلم اثنين وعشرين غرامًا. "جهة الشِّعر" هي "إلْسا" قاسم حداد، هي غالا، وليلى، وهي كل عشيقة حوّلها حُبّ شاعر الى أُسطورة. فهو كان يستيقظ على سمائها الزرقاء ويغفو على نجومها. ونحن بدورنا كنا نوّجه وجوهنا شطرها، فتهدينا بَوصَلتها إلى الزُرقة، وتُغنينا عن الإبحار في محابر جمّة بلا زبد. ولذا ستبقى "جهة الشِّعر" في جهةِ قلب الشِّعر، وستكون مستقبلًا محطة مفصلية في تاريخ الحداثة الشعرية العربية، يتناولها البحث والنقد بإسهاماتها الجوهرية في تغيير مسار الشِّعر نحو الأفضل، تمامًا كما نرى اليوم إلى منجزات مجلة "شعر" الطليعية في زمانها.
لن نصدِّق يأس قاسم حداد
عدا عن الحُّب، يأتي التَّواضع سِمة أصيلة في شخص قاسم حداد. هو أَقْدَم على مشروعٍ شعريّ آخذًا بالحداثة التقنية، وما توفّره للشِّعر العربي من فضاءات عالمية، ولكنْ مع عِلْمه بأنّه يُكْمِل المسار الحداثي المُتواصل للشعر العربي الذي بدأ قبل "الجهة"، وسيستمر بعدها، وتاليًا، فهو يضع مشروعه في مكانه الزماني ولا يدّعي أكثر ولا أقلّ. ولن نصدِّق يأس قاسم حداد، لأنّ ورشة أمله تتعدّى الرُؤى الراهنية والمرحلية إلى تطلعات مستقبلية، تتغذّى من كينونة الشِّعر نفسه، وجوهره المُتصل بالحياة ذاتها، بصرف النَّظر عن واقع المجتمعات العربية المُزري. الشِّعر موجود، وهو يسبق اللغة، ومَنْ يقولون بموته إنما يصدرون عن غرورٍ مَعرفيّ أصله جهلٌ بماهيّة الشِّعر.
قاسم حداد أقلّ تواضعًا من أن ييأس، وأكثر حُبًا من أنْ يدَّعي بأنّ حجب "الجهة" هو قرار بإعدام الأمل. لقد وضع الظروف كلّها في مكانها، ولم يساوم لأجل الشِّعر أو يدخل في مقاصات؛ "فما أجملكَ أيّها الذئب جائع وتتعفف عن الجثث!". لقد حجب "جهة الشِّعر" من أجل الشِّعر، والحفاظ على مقامه الجمالي والإبداعي الصرف. وهو يعرف بأنّه ستكون للشعر في مَساره المُستمر حرية التواجد في محطاتٍ مفصلية، وجهاتٍ أُخرى، ربما تسبق جهته، وربما في أكوانٍ حُلمية موازية. ويعرف أكثر بأنّه سيكون للشِّعر ما نجهل، لأنه دائمًا سيسبقنا بأحلامه.
غير أنّ المُقلق في هذا الاحتجاب هو أنّ عالم النشر الإلكتروني سيفٌ ذو حدّين. ربما أعداد مجلة "شعر" الورقية الأربعة والأربعين ما تزال محفوظةً في حوزة مَنْ اقتناها إلى اليوم. أمّا السؤال المُرّ: ماذا لو اختفى أرشيف "الجهة" من الانترنت؟ أَلا يشعر واحدنا كأنما سيفقد إحدى جوارحه؟ أَليس الأمر شبيهًا بكارثة عصرية على نسق إحراق مكتبة بني عامر على يد الصليبيين أو مكتبة ابن حزم الأندلسي على يد صاحب إشبيلية أو مكتبة دار العلم على يد الملك طغرل بك؟ لن يكون في متناول الباحث والدارس والمُستطلع عندها أُلُوف المواد، بأجناسها الشعرية والنثرية والنقدية والترجمات العالمية والدراسات لتجارب عربية وأجنبية والملفات المناسباتية، فضلًا عن أرشيف متنوع للكتب الشعرية.
طبعًا مَنْ المسؤول عن هكذا خسارة فادحة سوى أزماتنا السياسية المصيرية الراهنة، بما تجرّه معها من ويلاتِ التقتيل والتهجير والتجهيل والتفقير؟. ثمة موجات هائلة من العُنف والظلاميات الجديدة التي استباحت الإنسان وتُراثه ومستقبله، وألحقت الثقافة برَكْب السياسة (أكثر من ذي قبل)، وكلّ من يخرج عن الشَّرع الجديد يُترَك مصيرُه للشَّرع القديم.
نهر دجلة طفح بالجُثث، ومثله نهر الفرات، والعاصي، ووادي حضرموت، والنهر الصناعي العظيم. لا متَّسع للكتب بعد يا تتار العصر الجديد. وحتّى ولو أحرقتموها حيّة، فستخلّدون ذِكراها إلى الأبد، وستقولون لنا غاضبين: "انسوا هيروسترات"، ولن ننساه، ولن يكون بوسعنا بعد أن ننسى من هدم معبد الآلهة القدماء، وكفل للشِّعر حرية المُعتقد والتعبير، بلا شرط سوى كسب مودة قلب الجَمال.
وفي كلِّ الأحوال، احتجاب "جهة الشِّعر" لن يأخذ شيئًا من رصيدها؛ يذهبُ الجسد، وتبقى الروح خالدة في التاريخ الشعري لتجربة الحداثة العربية، وأيضًا فِي تجارب شعرية عديدة (تجربتي بينها) مَدينة لهذا الموقع برفع سقف شرطها الإبداعي والإنساني، بحيث أنّ معظمها ما عاد ليرضى بأُفق أقلّ من الحُرية، للنَّشر في مكانٍ آخر.
لذا على أثر عِلمي بحجب الموقع، قرّرتُ ألّا أقلق بشأن الشِّعر ومصيره، وكتبتُ من فوري إلى الشاعر الصديق:
عزيزي قاسم،
إنّه الجَّحيم، وما زلنا نتأمَّل الأزهار،
فارمِ بمِعْوَلِكَ
لقد حانَ وقتُ العِطْر...
Comments