top of page

"قراءاتان في ديوان "امرأة الأدغال

  • Writer: آمال نوار
    آمال نوار
  • Jan 27, 2019
  • 7 min read

Updated: Jan 30, 2019

بقلم: انطوان أبو زيد (الحياة)، وعقل العويط (النهار).


(1)

آمال نوّار تكتب أناشيد الذات المهشّمة


"امرأة الأدغال" دار الفارابي 2018


أنطوان أبو زيد

الحياة. 13 يونيو 2018


في مجموعتها الشعرية الثالثة، بعنوان «امرأة الأدغال» والصادرة عن دار الفارابي في بيروت (2018)، بعد: «تاج على الحافة» (2004)، و «نبيذها أزرق ويؤنس الزجاج» (2007)، تواصل الشاعرة آمال نوّار تجربتها الشعرية المميّزة بين نظرائها ونظيراتها من الشعراء المجايلين لها، وهي من الرعيل الذي تأنى في إصدار الأعمال الشعرية، بعد طول تمرّس وأسلبة وتجريب.

في مستهلّ الإطلالة على العمل الشعري الأخير، لا بدّ للقارئ من إلقاء النظرة إلى بنيته الخماسية: فهو مكوّن من خمسة أقسام، كلّ منها يقع تحت عنوان، هي على التوالي: جرس الليل، صحراء بلا قمر، قبور بعيون مفتوحة، تحت عجلات الأبد، غبار الشمس. وسوف يتسنى للقارئ أن يتعرّف تباعاً إلى مناخات دلالية متجانسة، في كلّ من هذه الأجزاء أو الفصول.

"إنّ ما يميّز قصيدة النثر هو وجود صيغة ولاّدة ذات وظيفتين اثنتين بدلاً من واحدة: فهي تولّد المدلولية، شأنها في كلّ شعر، مثلما تولّد ثابتة شكلية تتميّز بكونها متضايفة مع النص ومستقلة عن المدلولية".

Michael Riffaterre, Sémiotique de la poésie, p149 - 150

أسوق التعريف الآنف للناقد الأميركي مايكل ريفاتيرّ الذي يصف قصيدة النثر بأهمّ خاصّيتين هما: خاصية أن يتأسس بنيانها على معنى فريد، وخاصية أسلوبية «مستقلة عن المدلولية» كما يقول ريفاتيرّ. وهذا ما سوف نعالجه في قصائد الشاعرة آمال نوار التي تستدعي القارئ إلى المزيد من طرح الأسئلة، واستحضار نصوص شعرية يدركها القارئ، أو سبق له أن خزّنها في ذاكرته، من أجل أن يفهم شعر نوار ويتفاعل معه. ولعمري هذا حقيق بالأدب، وقد تجسّد شعراً في قصائد من نثر أو نثرية.

أحسب أن الوظيفة الأولى لقصائد المجموعة الشعرية «امرأة الأدغال» هي صوغ هويّة للذات الشاعرة، أو الكائن- الشاعرة، فوق واقعية، بل رومنطيقية وعدمية في آن وهي أقرب ما تكون إلى صورة الانسحاق والامحاء والتذرّر والانطواء، والذوبان في العناصر على صورة الخرافة أو الأسطورة التي تؤثرها. أما الآلية المبهرة التي ابتدعتها الشاعرة، والتي انكشفت لها، في مراسها الشعري الطويل، فكانت التنويع في وجهات النظر – التي يكون لنا وقفات في شأنها لاحقاً- من حيث تطلّ على الموضوع: ففي قصيدة "معبد " (ص:9-10) على سبيل المثل، نرى الشاعرة وقد تقمّصت كيان المعبد، فجعلت تتصوّر ذاتها «حجارة» المعبد، و«زنابقه»، والفخّار، و«رخامه الشاحب»، حتى لا يبقى سوى أن تُسقط على سياق القصيدة من الانطباعات (يرتعش، الحزن، شاحب، الغموض) ما يتيح للقارئ استنتاج الدلالات التي توفرها صور المعبد الاستعارية التمثيلية، فيما تحيل على ذات الشاعرة، بل كيانها. ولا يخفى أنّ المستفاد ههنا هو شعور الذات بالفراغ المتقن، وبكونها معزولة ووحيدة وباردة، في آن.

ومثل تلك الآلية، بل الاستراتيجية الكتابية، ما يجده القارئ في قصيدتي «تاج الشوك الأزرق» و «عرس هندوسي»؛ إذ تعمد الشاعرة، على التوالي، إلى تقمّص الشمعة، ولكن ليس على نحو مباشر، أي من خلال خطاب القصيدة السطحي، إنما من خلال تكرار فعل يعود إلى الشمعة («أذوب») خمس مرات متتالية، ترتبط سياقاتها جميعاً بحالات أو أجواء رومنطيقية أثيرة لدى الشاعرة: «أذوبُ في أنفاس العصافير»، «أذوبُ في كلمة»، «أذوبُ في شهوة»، «أذوبُ في عيني»، «أذوبُ في كلمة...». يمكن الاستدلال بها على نزعة عارمة لدى الشاعرة إلى التماهي بكلّ العناصر والمظاهر النامية إلى رومنطيقية فريدة، لا تقوم على ما تمّ التعريف به على أنه "ميْلٌ عارم إلى الطبيعة واندماج في عناصرها، وذاتية مفرطة مفعمة بالمشاعر والأحاسيس".

ولكن ماذا تودّ الشاعرة، آمال نوار، أن تقول بفضل هذه الاستراتيجية، التي امتدّت، تقريباً، على مجمل قصائد الفصل الأول من المجموعة ، عنيت «جرس الليل» (7-80)؟ للإجابة أقول إنّ الشاعرة سعت إلى تأكيد نبرتها الدرامية العالية التي باتت الذات فيها عرضة للتهميش، والتعتيم، والتصحّر، والتكسّر، تحت «عجلات الأبد»، منسيةً، متوّهة «في الأرض»، ناثرة رذاذ تجربتها الجحيمية على شبه العالم الخليط، الذي جبلته بمشاهدها الطبيعية الهادرة والآيلة إلى السقوط في عدمية وعقم عميمين:

"وهذا البريقُ

هذه المآتم بألوان الطواويس الذابلة

تقفُ في منتصفِ الروح

صرخةً من حنجرةِ بحر، وقد تاهَ وسطَ نفسه

وغرقت في عينهِ قوافلُ غجر.

جسدي كلّه في فمِ حجر

مهدورٌ حليبه في الصمت،

حزني عصفورٌ جائع بين ملايين الأفواه...» (ص31).

وما يثير دهشة القارئ، شأني، أنّ النبرة الغنائية العالية في خطاب الشاعرة، آمال نوار، تظلّ على حالها من القوة والحضور، من قصيدة «في مديح الهاوية «(ص:57) وحتى قصيدة «زورق في ليلة شتاء» (ص:17) بغضّ النظر عن طول القصائد، في الفصلين الأولين (جرس الليل، وصحراء بلا قمر)، وقصرها النسبي في الفصلين التاليين (قبور بعيون مفتوحة، وتحت عجلات الأبد) واقتصارها على قصائد الهايكو في الفصل الأخير (غبار الشمس). ذلك أنّ الشاعرة لا تني تتكئ على أناها، المجروحة والمهشّمة والقادرة على الصراخ، على الرغم من ذلك، حيناً لتجابه الموت وتعلن استعدادها له («أنا هنا أستعدّ لك»)، وحيناً آخر لتستحضر ذكرى أخ عزيز غاب («هدوؤك الذي غاب»)، ومن أجل أن تستذكر «موت شاعر»، وحينا من أجل أن تدوّن رحيل شاعر «لا أعرفه»، ومن أجل أن تستفيض بعد في تكثير ذاتها، في ملء أسطورتها بحزمة من الصفات التي تتوّجها مستلبة الحياة والحبّ Charles Mauron (على ما يقول شارل مورون) والفرح والحيوية: «أنا الغريبة عني...»، «وأنا بزرة صغيرة...»، "أنا الأسوَدُ اللانهاية، أنا الإثمُ الملعون، أنا القدَرُ، أنا الصمتُ، أنا خيبة الدنيا»، «أنا من نسيج النسيان".

تمضي نوار واثقة من مسارها الشعري، معجماً فائضاً عن الحدّ أحياناً، لغزارته ولثراء كائناتها التي يتشكّل منها عالمها الرّديف، وتراكيب مشغولة بعناية منْ يدرك الحدود الفاصلة بين ترسّم سبيل النصوص الشعرية السابقة، على ما تعلمنا به التناصّية، وبين من يؤثر الركون إلى أسلوب ذاتي في صوغ القصائد الطويلة منها والقصيرة، وفي توليف المشاهد الشعرية، ومحضها قدراً من القتامة والسوداوية والعبثية، يتّفق مع صورة الضحية المثلى التي يحملها مضمون هذه القصائد.

وما عساي أصف الصوَر الشعرية في كتاب آمال نوار؟ من يتأمّلْ في الكمّ الكبير الذي انطوى عليه كتاب الشاعرة، بفصوله الخمسة، يكتشف مقدار الاشتغال في نسج الصور الشعرية، وابتكار التشابيه والاستعارات والعناية بخلائطها المركّبة والغريبة في آن. «أُخفي وجهي كسحابة بمائها الشّبح»، «يتداعى كأخشاب المراكب عند أقدام الأبد»، «حزني عصفورٌ جائع بين ملايين الأفواه»، «كأنك سفينة تبحر في حدقة نسيان»، "أنا انفجار الشمس، وفي خرابي الأعظم تابوت العهد للأبيض الحقيقي"...

على هذا المنوال، تتابع الشاعرة آمال نوار مسارها الشعري المتميّز، ولا تزال توحي بقدرتها على تجاوز المراحل بقدر كبير من النضج والصدق والعمق الوجداني– الغنائي والأسلوبي في آن.




(2)

"امرأة الأدغال" لآمال نوّار ديواناً ثالثاً في جحيم المتاهة الهاوية سَفَرٌ عموديّ للشاعرة المسرفة في مداعبة ظلماتها


عقل العويط

29 حزيران 2018


ليس من شعر يوصف بأنه شعر أكثر من أن تكتبه شاعرة تضع عنواناً لديوانها يماثل هذا العنوان: "امرأة الأدغال" (دار الفارابي). وإذا أخذ التأويلُ المتلقي، لاستدراج هذا العنوان، بحثاً عن خيطٍ يفضي به إلى ترسّم الدروب والمتاهات التي تجتازها "بطلة" الديوان، فلا بدّ من أن يستضاء بطبيعة الأدغال، وعوالمها، وأمزجتها، وإيقاعاتها، وأرواحها، رصداً للشعر، ولقصائده الهاشلة في بريّة العدم والحياة على السواء.


ينبغي للقارئ وهو يبحث عن الصيد انطلاقاً من هذا العنوان، ألاّ يطيش سهمه وهو يطارد المعنى في الأدغال، كما لو أن المفتاح الدلالي يجب أن يفتح له الباب على غابة، أو أن يرمي به في خضمٍّ من الغابات. فالديوان، وهو الثالث للشاعرة، بعد "تاج على الحافة (دار الفارابي) و"نبيذها أزرق ويؤنس الزجاج" (دار النهضة العربية)، مكرّس برمّته إلى التجوال المضني والمهلك، وجودياً، في أدغال امرأة، وليس في أدغال الطبيعة. بل هو مكرّسٌ لتفكيك المكوّنات التي تتشكل منها ملامح تلك المرأة، شخصيتها، عوالمها الخفية، جوهرها الباطني، أحلامها، أضغاثها، كوابيسها، حيث تنفتح الينابيع على حرياتها الدفينة، طليقةً من كلّ قيد، ومن كلّ رقابة، ومن كلّ وظيفة.


فليتصوّر القارئ، كافتراضٍ وجودي وشعري، أن "امرأة الأدغال" هذه، تدخل في لاوعيها الدفين، وتروح تستجلب لغةً أدغالية، ينبوعيةً، متفجرة، متشظية، فالتة، متشلّقة من بين ليالي الشعاب والأودية والأغوار والمنحدرات والسهول والتلال والمنبسطات والصخور والأتربة والأعشاب وأحوال الهواء والنسيم والعاصفة والسكون والصخب والصمت الجليل وطيور القفر ووحوش الكواسر؟


فليفترض القارئ أنه سينطلق من تصوّرٍ كهذا، محاولاً أن يجول في عوالم الديوان، ومن خلاله بالذات فحسب، أي من خلال كينونة القصائد وأجسامها، وبناها، وعناوينها، فضلاً، بالطبع، عن المفاتيح والدلالات والصور والرموز، لاستجلاء غوامض "امرأة الأدغال" هذه، التي تفصح، بدون أدنى شكّ، لا عن رومنطيقية غاباتية، بالمعنى الإيجابي لأناشيد الغابات والأدغال، وغنائياتها، بل تفصح عن وقوع الوجود برمته، وجود العالم مطلقاً، ووجود الذات الشخصية تحديداً، ذات "امرأة الأدغال"، في متاهات الهول الحياتي، وفظاظات الألم وصلافات الوجع، وصولاً إلى التماهي مع الموت والعدم.


هي امرأة أدغالٍ بالتأكيد، وليست امرأةً تؤخذ بالمقاييس والمعادلات المجتمعية المتعارف عليها. ليست ابنةً. ليست زوجةً. ليست أماً. ليست امرأة الحياة البيتية الاجتماعية. ليست امرأةَ المتوقَّع، والعاديّ من العيش، والمطمئن منه، أو المترف. إنها قد تكون، في الظاهر، في الواقع، هؤلاء النساء كلّهنّ، لكنها "امرأة الأدغال"، باعتبارها مرصودةً لروح هذه الأدغال، ولمستلزماتها، بما يعني ذلك من لزوم التكافل والتضامن مع بيئة الدغل، طبيعته، بنيته، تشابكاته، غوامضه، ظلاله، عتماته، فتحات الضوء فيه، إشراقاته، ونهاياته التي لا عودة منها إلى الحياة المعروفة، والمرأة المعروفة.


"امرأة الأدغال" هذه، معروفٌ قَدَرُها، ومصيرُها. وهي تكتبه، في رأي المتلقي، شعراً مسافراً بلا رجوع، متمرداً على منطق المعادلات التصويرية، باعتباره شعراً لا قياد له، خارجاً على المتوقّع الحلمي، لأنه وليد تفجّر المدفونات المتراكمة في الطبقات الليلية المعتمة من الحياة، من الوجود الشخصي، من التجارب، من الحرائق، من الثلوج، من صقيع الموت، من جمر الألم، من المخاضات، من المرارات، من الدمارات، من الخيبات، من اللهاثات، ومن تمزّقات العروق والشرايين والنظرات، ومن صرخات النجدة اللامجدية، المنطلقة من قعر اللاوعي، من ليله المتناسل، والمتواصل بلا هوادة، وإلى ما لا نهاية.


يمكن المتلقي أن يواصل تجواله هذا، مراقباً السفر، سفر "امرأة الأدغال"، عن كثب، متابعاً إياه، ليس بمنهجٍ أفقي، وإنما فحسب، بمنهجٍ عمودي، يفضي إلى القعر الذي لا قعر له. لكن، كيف تكون الأدغال عمودية، في حين أن المفترض أن تكون أفقية، ممتدة إلى الأمام، أو متراجعة إلى الوراء، ومنتشرة في الجهات الأربع كلّها، لتؤلف، بذلك، المتاهة الكبرى؟ أتكون المتاهة عمودية، إذاً؟ لا بد أن تكون، هي، عمودية، صعوداً ونزولاً، حيث يتلاقى الصعود بالنزول، وتجتمع السماء بالهاوية، وكلتاهما، يا للمفارقة، عدمٌ يلتقي بالعدم.


الهدوء يخيّم على اللغة، على الكلمات. إنه هدوء الموت والموتى وهدوء الشاهدة. لذا هو الهدوء الشعريّ المعذِّب، المجرِّح، الناهش، المفترس، العارف أن الصخب لا يجدي في أحوالٍ كهذه، لأن من شأنه أن يحرف العدم عن مصيره المحتوم. تدرك "امرأة الأدغال" هذه "الحكمة" الشعرية، فتمارسها إلى أقصى حدّ، ممتنعةً عن الولولة، منصرفةً إلى توليف الجملة الشعرية التي تتوافق مع الانصياع للأقدار، ورصد حركاتها وإيقاعاتها وأنفاسها ولجلجات أحلامها المتحشرجة. في هذا المعنى، يمكن المتلقي أن ينصاع هو الآخر، لهذا النشيج النازف في العدم، مرئياً بعينَي امرأةٍ مسافرة في الأدغال، تلتقط الرؤى والصور التقاطاً لا يقبل "التحميض" الذي قد يفضي، أحياناً، إلى التلاعب في كيمياء الغبش الضبابي الغامض والملتبس، لكن الملازِم لروح الأدغال ومكوّناتها البيئية والطبيعية والجغرافية.


الديوان يحتفي بعوالم امرأةٍ تقطف الشعر البرّيّ، الجامح، الهاشل، الفالت، المفتوح، وأحياناً المسترسل، بما يستدعي من الشاعرة "لجم" استرساله، في أكثر من موضع وقصيدة، لئلاّ يشذّ عن هندسة الأدغال، ويخربط عماراتها التي لا تتحمل أيّ تهاونٍ حيال موسيقاها المعمارية.


يمنح ديوان "امرأة الأدغال" الإحساس بالضجر الوجودي من الحياة، وبلزوم السفر المهول في أروقة الموت. بل في أدغاله الحلمية، الكابوسية، الفجائعية، العدمية، المرّة، المسمومة، والملعونة، وحيث لا خلاص.

Comments


 جميع الحقوق محفوظة © 2018 لآمال نوّار ولأصحاب المواد المنشورة، وفي حال الاقتباس، يُرجى الإشارة إلى المدونة كمصدر 

©2018 by آمال نوّار. Proudly created with Wix.com

bottom of page