top of page

ست قراءات نقدية في ديوان: تاج على الحافّة

  • Writer: آمال نوار
    آمال نوار
  • Jan 27, 2019
  • 12 min read

Updated: Feb 1, 2019

بقلم: عبده وازن (الحياة)، عقل العويط (ملحق النهار الثقافي)، صباح زوين (النهار)، حاكم مردان (النهار)، نور الدين محقق (الحياة الجديدة)، ماهر شرف الدين (السفير).


"تاج على الحافة" دار الفارابي 2004

(1)

آمال نوّار الشاعرة المستوحدة تشعل نار القصيدة


عبده وازن (لبنان) الحياة 5 آب 2004

(مقتطفات من المقال)


كان من المفترض أن يصدر الديوان الأول للشاعرة اللبنانية أمال نوّار قبل نحو خمسة عشر عاماً، لكن اغترابها الأميركي حال دون صدوره. غادرت هذه الشاعرة الشابة لبنان في بداية نضجها، وانقطعت عن المعترك الشعري والأدبي، ودخلت نوعاً من العزلة الإغترابية منصرفة إلى الكتابة ولكن بصمت ودون نشر.عادت أمال نوار قبل شهر إلى بيروت لتنشر ديوانها الأول الذي حمل عنوان "تاج على الحافة" (دار الفارابي).

لم تنتم أمال نوار إلى أي جيل شعري في لبنان على رغم أنها جايلت بضعة شعراء من عمرها. والقصائد التي توالت على نشرها في الصحف قبل هجرتها لم تتمكن من تصنيفها، فظلت شاعرة مستوحدة، لا تتفق مع "الشعر النسوي" ولا مع شعراء الحرب أو ما بعدها. وبدا صوتها خاصاً جداً كما لو أنه آتٍ من زمن يصعب تحديده. وعندما قرأ الشاعر شوقي أبي شقرا ذات مرة قصيدة لها توسّم فيها موهبة حقيقية، وكان يقول دوماً أنها ستكون شاعرة مهمة.

(...)

الغربة أنضجت حتماً شعر أمال نوار، أيقظت فيه إحساساً آخر بالأشياء والأمور وأشعلت في خضمه ناراً هي نار الألم والحنين واللوعة والعزلة. لكن الشاعرة كانت عاشت أصلاً غربة أقسى من غربة المنفى، عزلة الإقامة وعزلة الإقتلاع الروحي والمعنوي وهما أشد فتكاً من الإقتلاع المكاني والزماني. فالماضي ماضٍ واحد كما الحاضر حاضر واحد. ف"الصوت القديم لا يخلو من تراب" كما تقول و"المقصلة دائماً الشجرة الأعلى" (ما أجمل هذه الصورة!) و"زهر اللوز لا يدوم بياضه/ والثلج يشعر بالإثم...والفضاء تلبّد بالأوهام" و"العمر شيّع النسيان/ في عيني المطبقة".

(...)

في ديوان "تاج على الحافة" كثير من قصائد الحب، لكنها ليست قصائد غزل أو أناشيد حبور وصفاء وخلاص. فالحب هنا لا يخلو من الكآبة والألم واليأس. هو مرتبط بحياة أولى أو زمن أول تمعن الشاعرة في توديعهما وفي رثائهما. الحب ينتمي إلى الذكرى، والذاكرة التي يقتضي بها أن تحييه هي ذاكرة "مبددة تماماً". وحال التبدد هذه تؤكد أن "ما من شيء حقيقي". ولعل الإحساس المأساوي بالحقيقة يجعل "مرأى النهر بمياهه الخافقة" أقرب إلى "ذكرى تستكين عميقاً". هكذا يصبح فعل "الخفقان" نظير فعل "الإستكانة". هذا التناقض سيرد في أكثر من جملة شعرية ولكن ليس في غاية "بيانية" وإنما ترسيخاً لأحوال الحيرة والتردد التي تحياها الشاعرة على غرار الشعراء المتصوفين او الرؤيويين:"أنا البيضاء المعتمة/ أنتظر النهار على حافة يدي" تقول، أو:"كأن روحي معدن" أو:"تنشقناه عميقاً/ الزجاج الذي لم يكتمنا".

(...)

أكثر ما يلفت في شعر أمال نوار قدرته على اختزان المعاني والأحوال والأفكار والرؤى وكذلك على مزجها بعضاً في بعض حتى لينجم عنها نسيج متماسك وحيّ في وقت واحد. فهذه الشاعرة التي لا تنتمي إلى أي مدرسة شعرية والتي يصعب تصنيف قصائدها تبعاً لنظام جاهز، تنتمي في الحين عينه إلى مدارس كثيرة. إنها شاعرة رؤيا وليست شاعرة رؤيا، شاعرة سوريالية من دون أن تكون سوريالية، رومانسية ولكن على طريقتها، واقعية ولكن شديدة الذاتية أيضاً، شاعرة الحياة والموت، شاعرة العزلة والضوضاء، شاعرة ترثي وتسخر (سخرية سوداء) وتتأمل وتبصر، شاعرة الجسد ولكن المفتوح على الروح، شاعرة الشهوة والنقاء، شاعرة الحلم والقسوة، شاعرة اللهو والحكمة...هكذا يحار القارىء أمام شعرها الذي يدفق كنهر من الأحاسيس والأفكار والرؤى والصور...لكنه لن يلبث أن يألف إلى هذا الشعر الهادر والصامت والهائج والشفاف والقادر على جرف كل السدود التي قد تعترضه.

عادت أمال نوار إلى المعترك الشعري بقوة وديوانها الأول هو بمثابة ديوان ثالث أو رابع نظراً إلى ما يحمل من نضج في التقنية الشعرية واللغة والوعي علاوة على ما يختزن من مادة شعرية فريدة أو "مضمون" إن جاز القول-عميق ومشرع على الأسئلة الوجودية. ولعل عودتها من غربتها الأميركية - التي تبدو كأنها قدرها – عبر هذا الديوان هي أولاً وأخيراً عودة شاعرة إلى وطنها – المقتلعة منه (بترت جذوري" تقول) وإلى مدينتها التي تغيرت كثيراً وإلى الحركة الشعرية في لبنان التي صنعتها وتصنعها أجيال عدة. وديوان أمال نوار سيكون له حتماً زاويته في المكتبة الشعرية وسيكون له حضوره الجميل ليس كديوان أول وإنما كمجموعة قصائد جميلة تخاطب القلب والعقل مقدار مخاطبتها الروح والمخيلة.







(2)

"تاج على الحافة" لأمال نوّار ألم الشعر والعدم


عقل العويط (لبنان)

ملحق النهار الثقافي الأحد 19 سبتمر 2004

(مقتطفات من المقال)


(...)

هناك في القطب الشمالي من الأرض، وفي القطب الشمالي من القلب والحياة، يحلو للقصيدة أن تعتبر الأشياء كلها – الحياة – في قيمة العدم. لولا هذا الإعتبار كيف كان سيكون ممكناً أن تمعن قصائد "تاج على الحافة" في نهش جسد هذا العدم نهشاً هادئاً يذكّر بالنسيان الذي لا يستطيع أن يكون نسياناً؟

(...)

إذاً، لا بدّ من الألم و"ليكن هذا الألم" بالذات، وإذا كان لا بد من قتله فدون ذلك عيش طويل يعيشه الشخص الذي يخلص من هذا الألم، على ما تقول القصيدة. لكن "المؤلم ليس آلامنا فقط" فثمة "يد أهديتها البارحة لعازف الكمان" وهي "تضع الأصابع على الألم" و"ليس سهلاً أن تتبعها حياة واحدة". كنت أريد أن أقول أن هذا النوع من الشعر مكتوب ل "موسيقى تجرح برتقالة الحلم"، وأنه يشبه ما يحصل عند الفجر عندما يكون النسيان أشبه ب"ملاك يكفي أن أغرسه تحت مخدتي/ كي تُنبت أصابعي / حفيف اليوم التالي"، وأنه يجعل الشاعرة غير شبيهة بأحد حين " تنمو منصتة لميتة سابقة/ وتتذكر جسداً لم تبق منه سوى سطور".

(...)

كتاب "تاج على الحافة" ليس كتاباً أول، بمعنى أنه لا يحمل ارتباكات الكتب الأولى، وإن يكن أحياناً على أكثر من سوية. هو كتاب عميق، كلماته تأتي من المطارح المصابة بالأوجاع القصوى، حيث لا يكفي الألم وحده للوصف. هنا الألم يعثر على ضالته في العدم، في شعرية العدم أعني، وهو – وإن كان يشرح ويستفيض ويهبط ليعلو – فإنه يعرف كيف يصنع لهذه المجموعة الشعرية تألقها الذي يجب أن نراه جيداً، وندعو القراء إلى قراءته ورؤيته.







(3)

آمال نوّار في مجموعتها "تاج على الحافة" القوة المختزنة في الكلمات البراقّة


صباح زوين (لبنان)

النهار الأحد 22 آب 2004

(مقتطفات من المقال)


(...)

قرأت لفترة طويلة في أواخر الثمانيات قصائد أمال نوّار وكانت غزيرة الكتابة... ومنذ قصائدها المبكرة رأيت فيها شاعرة تحمل مخزوناً كبيراً من كيمياء الكتابة وكنت ألتمس توهجاً حقيقياً في صوغها الصورة والفكرة، ومهارة تضاهي مهارة المتمرسين في القول والتقاط اللحظة الملائمة للبدء أو للإنتهاء.

(...)

تفوح من مجموعتها رائحة النضارة والقوة المختزنة داخل الكلمات البراقة الموزعة على صفحات المجموعة. ليست لدى أمال نوار ميوعة الكلام ولا رخاوته، بل تبدأ البيت أو القصيدة كمن يطرق بمطرقة حادة على الورقة، لتنقش عليها شوقها ونسيانها وأحاسيسها الفائضة بل الكثيفة، لتقول:"يسكنني الشوق مثل محطة تعبق روحها بالصقيع، ويرشح فخارها بغصات عنب وُزعت حباته في حقائب وأهرق دمه في خاطرة". لكنه بالأحرى "السؤال العميق" الذي يسكنها لأنها ""غابة البحر وخريفه" لأنها في الواقع مثل غابة ينبت فيها كثيف الشجر وطويله، وتنبت كل أنواع الأعشاب والشوك والعليق والأزهار، وتبيت الطيور على أجناسها وما تبقى من حياة متحركة من عناصر حيّة. غابة أمال نوار هي تلك القصائد التي تنبض حياة كيفما حركت قلمها على الورقة. القصائد التي تعبق صخباً وألواناً.

لكن اللافت في قصائد نوار ليس المضمون فحسب، إنما خاصة أسلوبها حيث نستشف صلابة ووعياً وثقة قلما نقع عليها في كتابات أخرى، كأن تقول:"لقد انقصفتْ نظرتي ببراعم الشك واليقين، ولم يبقَ في هذا الهيكل غير عظمة الوفاء، فحذار أيها الضباب المُهاب".

تقول، ولا تني تقول أمال نوار!...إذ نشعر أثناء القراءة بأننا نغرق حقاً وأن يدينا حقاً تمتلئان: "ربما الخواتم نوارس في المنام أو صوت يدوّر ريبته، راكعة أرنّح يداً في بئر ويداً للخيبة أطلقها. وفاتني أن في سلتي مغنية كانت تحني زهرتها منصتة إلى أصابع عمائها كيف تفلت المفاتيح". " ثمة سنبلة على الطاولة أو في السرير، تخصّ ألمي، ويوم طويل يحصد بقية العالم في العين، ثمة لؤلؤة في عمر أضعته تريثاً، حين كان قلبي يطفو على البحر، والغد يتكور في الصَدَفة". كلما توغلت في قصائد أمال نوار غلبتني الإثارة، فلغتها متحركة متينة، والصورة هي العنصر الأهم في الكتابة الشعرية، هي التي تجعل كل هذا الفرق، بين الجيد والرديء، وصاحبة هذا الكتاب من الفئة الأولى بالطبع.






(4)

آمال نوّار في مجموعتها "تاج على الحافة" فتنة ما بعثره العمر وجمعته القصيدة


حاكم مردان (العراق- لبنان)

النهار 6 آب 2004

(مقتطفات من المقال)


(...)

تحسن أمال نوار تحويل الكلمات الصامتة إلى بوح. العبارات البسيطة التي تعبر أحياناً أفق نهارنا من دون انتباه تغدو لدى الشاعرة وقفات ترسم شارات المستقبل حيث الأفعال التي تحفل القصائد بما يبشر بها، ولعلها الوحيدة التي لا تقيم وزناً للفعل الماضي، فكل شيء تقريباً يحدث الآن، او هو في طريق الصيرورة والحدوث، وسين المستقبل لدى أمال طاقة تخييل تريحها من التفكير في الأمور المنتهية، التي سبق أن تقررت نهايتها. وهذه لعبة جديدة ومحببة في الشعر؛ تنويم الذاكرة وإيقاظ المخيلة.

(...)

لا نستطيع القول أن مجموعة أمال نوار الشعرية هي إطلالتها الأولى في الشعر، إذ قرأنا لها قصائد منذ عشر ونيف منشورة هنا في "النهار"، ولها أن تنتظر كل هذه السنين لإصدار كتابها الأول ما دامت تمتلك كل هذا الشغف بالقصيدة، وتريدها مكتملة ونهائية وقادمة من صبر طويل وأناة محنكة. ومن قصيدتها الأولى "أخف من النسيان" يدرك القارىء عمق التجربة التي اختزنتها الشاعرة عبر الإحتفاظ بوحدة القصيدة وطقسها النفسي والتخفيف من أعباء اللغة، التي تثقل أحياناً على العبارة...وتجنح أمال إلى أكثر من ذلك، في القصائد الأخيرة بخاصة، أي إلى اختتام القصيدة بقفل درامي ثقيل، في معنى الصورة البلاغية، الصادمة أو المفاجئة، وسيمر وقت طويل قبل أن يدركها النسيان في ذهن القارىء، لذا تعمد أمال نوار ألا تشبه أحداً، أن تنسى لحظة الكتابة ما قرأته من شعر لسواها.




(5)

شعرية الشوق وجمالية التعبير في قصيدة "أخف من النسيان"


د. نور الدين محقق (المغرب)

الحياة الجديدة في 2004


تشكل الشاعرة المبدعة آمال نوار استثناء شعريا جميلا في عالم الشعر الحداثي العربي، وكونها استثناء بمعنى أنها قد صنعت بقوة شاعريتها ورهافة الإحساس المتوهج داخله ظلها الخاص الذي لا يمكن لشاعر آخر أن يصنعه غيرها، وهو الأمر الذي يطلق عليه في المجال النقدي بالتميز الذاتي أو البصمة الأنوية أو ما أسماه النقد الفرنسي منذ عصر بوفون بالأسلوب، الذي في غيابه يتحول المبدع إلى فاعل ثقافي ليس إلا. يتجلى ذلك في ديوانها المتميز "تاج على الحافة" الذي أتى مكتملا سواء من حيث بنائه التركيبي الجديد الذي يعتمد على تقنية التفكيك اللغوي لبنية الكلمات والجمل المشكلة لها وإعادة تركيبها من جديد وفق تصور بنائي مغاير، يستمد مشروعيته من ثقافة الشاعرة الواسعة وإطلاعها المستمر على الشعر العالمي في اختلافاته المتميزة وفي أبعاده الكتابية المتنوعة، أو من حيث فعل التشظي الشامل للدلالة المعبر عنها؛ ذلك التشظي الذي يمنح النص معاني مضاعفة، ويجعله بالتالي قابلا لتعددية القراءات قادرا على احتوائها داخله وجعلها جزءا من بنيته أيضا. وهو الأمر الذي غالبا ما لا نجده إلا في الشعر العالمي ذي القوة الإيحائية الكبرى، كما هو الشأن مع شعر آرثر رامبو أو شارل بودلير أو ستيفان مالارمي تحديدا في الشعرية الفرنسية الحداثية، أو مع تفجيرات أزرا باوند أو انسيابات ولت ويتمان أو تعقيدات ت. س. إليوت في تداعياتها الرمزية المكثفة من جهة، وفي الشعر الصوفي العربي والفارسي في امتلائه بتلك الكثافة الروحية التي تعجز في الغالب الكلمات عن التعبير عنها، وتكتفي بإرسال إشارات منفلتة من إطار المكان وسيطرة الزمان عليها، إشارات تحس ويتم الشعور بها، لكن في المقابل يصعب حتى على العارفين بالشعر ومكائد القصيدة تأويلها. لكن مع ذلك يظل الاقتراب مغريا وتظل الرؤية متطلعة لإبصار الصور. تلك الصور التي تثير في النفس عشقا لا يضاهى. هذا العشق المتوهج هو حافزنا للولوج إلى عالم الشاعرة المبدعة آمال نوار. وستكون عملية الولوج عبر أول قصيدة في ديوانها "تاج على الحافة" الذي لقي ترحيبا نقديا لافتا للنظر وكتب عن أهميته شعراء معروفين من أمثال عبده وازن وعقل العويط مشيدين به ومعتبرينه يشكل حدثا شعريا بامتياز.

تنطلق القصيدة من تحديد الذات الشاعرة لنفسها- ويجب هنا التمييز، كما يفعل النقد البنيوي والسيميائي الحديث، بين هذه الذات الشاعرة وبين الشاعرة الحقيقية آمال نوار، على اعتبار أن الأولى هي كائن من ورق في حين أن الثانية هي من لحم ودم، وما يقال عن الذات الشاعرة يظل مرتبطا بالقصيدة وليس بما هو خارجها- بكونها تعاني من فراغ مهول حيث كينونة الغياب حاضرة بقوة إلا أن هذا الغياب هو المولد للأمل إذ يظل الربيع مختفيا تحت الحجر رغم كل الآلام، حتى وان توالت الليالي والسنوات العجاف، كما يظل الصراع بغية الوصول إلى المرتقب والمنتظر يعلن عن وجوده بشتى الكلمات والصور. الليل ممتد لما لا نهاية والفم نقطة برد، لكن النسيان يظل بعيدا. إن الذات الشاعرة تقسم جسمها في جسوم عديدة، بتعبير الشاعر الحداثي العتيق عروة بن الورد، وتحسو إناء الماء والماء بارد.

وهي صورة تناصية بديعة وغاية في الإتقان. كما أنها وهي تبحث عن الإمساك بثياب النسيان ترى أن كل ما يمكن أن يحدث هو أخف وطأة من هذا النسيان الذي حين يأتي قد يدمر كل شيء، بل إن الشاعرة لا ترغب فيه إذ تعتبره أثقل الهموم من كل الصور المتشظية التي قدمتها في تناسق إبداعي منفلت، يجعل من الاستحالة ربطها بعضها ببعض إلا في إطار نفسي يتجاوز الواقع إلى الحلم، خالقا من خلال عملية التجاوز هاته عالما سرياليا خاصا به، لكنه مفعم ومليء بالجمالية. هذه الجمالية التي تنبني في تلاقح كيميائي بديع بين صورة الرغبة في رؤية يد عازف الكمان بما تحمله هذه الصورة من افتتان بالموسيقى التي هي سر الوجود و الناطق بمكنوناته الوجدانية. لنستحضر أنشودة جبران خليل جبران الخالدة: "أعطني الناي وغني، فالغنا سر الوجود"، وبين صورة ضدية لها حيث الأرض تخلو من الكلام و يصبح بالتالي هذا الكلام المتدفق لا أرض تسع إمكانية وجوده. تقول الشاعرة في لغة شفافة:

أنمو مُنصتة

كلام لا أرض له

ليلٌ لم ينم بعد

كما لو في ذكرى

حين فمي نقطة بَرْد

وجه

المجهول

إن الشاعرة هنا تبدع في خلقها لهذا العالم المتشظي سواء عن طريق تقديم صور متوالية لا يربط بينها في العمق إلا هذا التشظي البنيوي ذاته على المستوى التركيبي، وهذا التدفق الدلالي المولد لمعاني غريبة في إمكانية تمثلها إلا بواسطة الحلم، أو على الأقل من خلال جعل هذا الحلم ذاته مفتاحا للولوج إلى عوالمها السريالية المحكمة البناء.وهو الأمر الذي يذكرنا لعوالم أندري بروتون، وبقوة تعبيراته المنفلتة الصعبة على الإمساك. وهذا لا يعني بتاتا أن الشاعرة متأثرة بهذا الشاعر، وإنما إن كان التأثير حاصلا ولا بد فبفكرة الشعر السريالي في حد ذاتها وليس بإنتاج فرد منها حتى ولو كان عرابها المشار إليه. ذلك أن الشعر الذي تقدمه لنا الشاعرة آمال نوار هنا، يشيد ذاته بذاته، يبني أفقه الخاص به، انطلاقا من تجارب الشاعرة نفسها وامتزاج هذه التجارب بتعبيراتها الأنوية التي امتزجت بذاتها، وشكلت رؤيتها للعالم المحيط بها. يتجلى هذا الأمر بالخصوص في المقطع الثاني من هذه القصيدة البديعة، حيث تعلن الشاعرة عن الشوق الذي يملأ كيانها ويدفع بها نحو الأعالي حيث لا يوجد هناك إلا المولعين بالكلم السحري الذي يحول الحجر إلى ذهب. إن حضور الشوق هنا يمنح للنص الشعري قوة تعبيرية متدفقة يجعل من الذات المعبرة عن دواخلها تتحدث كما لو كانت تخاطب ذاتها، واصفة أدق ما تشعر به تجاه الآخر الذي قد يكون حبيبا أو طيفا يأتي على صورة الحبيب المشتهى الحاضر بالفعل أو المتوهم في دنيا الكلمات. إن ترديد الشاعرة لجملة "يسكنني الشوق" جعل الصور بعدها تتوالى، معبرة عن تدفق عاطفي عميق، خصوصا إذا كان هذا الشوق لا يزهر، لان عملية الإزهار تحد من سطوته وتعيده إلى سيرته الأولى، فكلما امتنع عنه الإزهار إلا ازدادت الرغبة في الحصول عليه.

تقول الشاعرة في كلمات يستوي فيها التعبير الجمالي كأبدع ما يكون، ما يلي:

يسكنني الشوق العميق المتحدِّر

ربما من نظرة، أو من بذرة، أو

من حفيف ما،

الشوق الذي غالباً لا يُزهر

ولا يَزْرقُّ به الخيال

إنما تُستوحى رائحته من القشرة

وأحياناً تنتابني رغبة في التنقيب

عن آثاره

علَّني أجدُ عصفوراً ميّتاً

أو كِسْرة خبز

في بريق العين المُوحشة.

إن هذا الشوق هو شوق انفعالي يولد الفعل ورد الفعل معا، و هو تأمل وجداني في الذات وفي الآخر المنطلق منها، والمعاد إليها عن طريق الحلم، عن طريق لعبة الاسترداد التصوري، عن طريق الخلق المتجدد له في صور متعددة الأبعاد، وان ظل المصدر واحدا هو صورة الحبيب ذاته كما رأتها الشاعرة رأي العين أو رأي الخيال حتى. لكن هذا الشوق حتى وإن انصب على رسم صورة الآخر، فهو كان مولد طاقة للذات في إطار إبصارها لنفسها والتأمل في مرآتها الخاصة، حتى وان التجأت في عملية التصوير هاته إلى لعبة الاستعارة، فالاستعارة هي التي نحيا بها دائما ولا يمكن الانفلات من سحر الوقوع فيها، خصوصا للذوات المرهفة الإحساس و المتملكة لقوة التعبير الكلامي وألقه الشعري المتوهج بتوهج أنفاسها الحرى المحترقة بلهيب الحب الإنساني العميق. هكذا تتحول الذات في لعبة الاستعارة هاته إلى بحر، لكنه بحر لا يقوى على الذكرى، لأن الذكرى احتراق، كما لا يقوى على حبس أنفاسه لحطة يغرق في موتاه. الصورة الأخيرة فيها من الروعة بقدر ما فيها من الألم. صورة استعارية بالغة الجمال لا يمكن أن تستحضرها إلا شاعرة كبيرة وآمال نوار هي كذلك. إن قلب الصورة هنا هي عملية استعارية كبرى وما زاد في توهجها أنها أتت في غياب التفكير العقلي بها. لقد جاءت تعبيرية، منسابة من النفس الشاعرة لتصل إلى النفس المتلقية في سهولة ويسر. وهو ما يدفع إلى القول بأن الشاعرة التي تمتلك قوة التخييل هذه وقوة التعبير عنها ليست إلا شاعرة كبيرة حتى وإن أصدرت ديوانا شعريا واحدا. أحيل هنا إلى ديوان "أوراق العشب" للشاعر الأمريكي ولت ويتمان والى ديوان "أزهار الشر" للشاعر الفرنسي شارل بودلير كدليل على صدق دعواي.

إن الشاعرة هنا بعد امتزاجها بالتدفق الشوقي الذي تملكها، ستنطلق منه وبه نحو عوالم أخرى، تظل في العمق أخف من النسيان الذي يترآى لها مثل شبح يطارد خطواتها.إن النسيان هنا يتجاوز المفهوم الدلالي المعطى له ليأخذ دلالة ميتافيزيقية لصيقة بالذات الإنسانية في تحولاتها المرآوية المتعددة الرؤى والأبعاد ، وهو ما سيجعل من الشاعرة تتساكن مع هذا الشوق في تحول ايجابي من لعبة الانفصال إلى لعبة الاتصال .إلا أن هذا التساكن رغم إيجابيته سرعان ما سيتحول إلى سؤال مؤرق للذات الساكن في ثناياها.سؤال حداثي بامتياز لا تتأسس كينونة الذات في غيابه، وهو ما يخلق أفقا جديدا لهذه الذات الشاعرة المحترقة بإبداعها كما هي العنقاء تماما.أفقا يتجلى آتيا من بعيد في صورة الآخر المجسد في ثنايا البحر، كأنه سندباد يأتي بعد سبع رحلات باحثا عن دفء الحب ومتاهات النوم بين أحضان الحبيبة. السندباد يتحول في نظر الحبيبة إلى عصفور ازرق يرفرف بين أعينها كلما نظرت إلى مرآتها أو رغبت في ذلك.إن الصور الشعرية التي تتدفق في هذا المقطع من القصيدة هي صور متعددة المصادر، فيها ما هو واقعي مستمد من حياة الشاعرة نفسها و فيها ما هو رمزي تتحول فيه الكلمات إلى دلالات بعيدة المرامي يصعب الغوص فيها وفك الطلاسم المحيطة بأسرارها، وفيها ما هو سريالي يأتي عفو الخاطر و ينطلق منه إلى الذات المتلقية لا يحمل معنى بقدر ما يدمر المعاني التي يراد إلصاقها به. كما أن لعبة التكرار للكلمات وللصور المنبثقة منها وعنها يزيد من انسياب التوتر الإيقاعي في النص ويحقق له دينامكية داخلية لا توجد إلا في النصوص الكبرى ذات الدلالات الإنسانية المكثفة.أما في المقطع الأخير حيث تتحول الذات الشاعرة إلى شجرة وارفة الظلال كثيرة الأغصان، بكل ما تحمله كلمة شجرة من دلالات أسطورية وميتافيزيقية، فإن الأمر يكون قد حسم. إن الذات الشاعرة تنجح في الغوص في المتاهات المحيطة بها والانطلاق منها نحو المجالات الأكثر رحابة في الوجود. تقول الشاعرة ما يلي:

ماذا لو أتبدّد كأقدم صوتٍ للأمل،

ماذا لو تقتفي الشجرة أفكاري،

ماذا لو لم تُبالِ

بأن يسقط جذْعها من تعبي

وخريفها من رعشتي

وبأن يصيبها نسياني بسهامه

في أعمق ذكرى في غصنها

حيث كانت تحطُّ

أطياف بعيدة وغريبة؟

هكذا نرى أن الشاعرة آمال نوار تصور في قصيدتها الجميلة هاته قصة الإنسان الحديث في تشابكاته المعقدة و تراوحاته بين حدي الأمل و الخيبة و السؤال و الجواب.

وهي بذلك و بقوة التعبير الذي اعتمدته في تقديم هذا العالم، المتجلي في صياغة مختلفة للكلمات وفي انتقاء متشظي للجمل تكون بالفعل شاعرة الجرح الإنساني الوجودي في علاقته بالحب والشوق والاغتراب والمفارقة جميعا، وهو ما يجعل من قصيدته هاته ومن الديوان الذي يضمها انطلاقة جديدة للشعر العربي في صيغته الأنثوية، نحو مجالات متعددة النواحي ومتفتحة الآفاق. وعلى حد قول رولان بارت الذي يجعل من الحداثة هي البحث عن أدب مستحيل، فإن الشاعرة آمال نوار تبحث من خلال هذه القصيدة في بعدها الشذري ذي الأفق النتشوي والاستنباط الكافكاوي، بداية هذا البحث وليس منتهاه. وهو ما خلق لها جمهورا قارئا لشعرها ومتتبعا لخطواتها الإبداعية، كما جعل من شعراء متميزين بأفقهم الحداثي يشيدون به ويحرصون على تقديمه كنموذج جدير بالقراءة و المتابعة النقدية، أخص بالذكر هنا الشاعرين المبدعين قاسم حداد وعبده وازن.




(6)

"تاج على الحافة" لأمال نوّار شعرية الجذور


ماهر شرف الدين (سوريا – لبنان)

السفير آب 2004

(مقتطفات من المقال)


(...)

يصح القول في المشهدية التي ترسمها نوار بانها كارتون شعري. نوع من خرائط أو اقتراحات لأفلام كارتون مقروءة،"أكوّم مشاعري على العتبة" تقول الشاعرة "عابرةً الوديان على قشة" (...) "كأن روحي معدن/ أرق النسيم يملأها رنيناً / أيها الصوت المسافر ثقباً في شراع"، وفي مكان آخر: "الجبين على الرُكب/ والأيدي شبه مرفرفة/ لوحة رملية/ تهمّ بالطيران". لكن هذا الكارتون يأتي من مطرح آخر غير الطفولة، أو من طفولة أخرى لا تقتات من الجسد وحده، إنها بالضبط طفولة الأمكنة: أمال نوار، الشاعرة المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، تخترع لأمكنتها الأولى طفولة تكفل لها إعادة إنتاج شعرية تستبقي من "فعل" الطفولة أدواته: هكذا، ما خلا الوطن، لا تكون الأمكنة أكثر من محطات، الشوق فيها "لا يُزهر ولا يزرق به الخيال". (...) "تاج على الحافة" الذي هو العمل الأول للشاعرة هو كتاب مستحق أشبه ما يكون بالأرجوحة التي لا يصح فيها شكل واحد للرغبات، أيضاً "الممرات الطويلة" التي "لا تؤدي إلى ضحكة كاملة".

Comments


 جميع الحقوق محفوظة © 2018 لآمال نوّار ولأصحاب المواد المنشورة، وفي حال الاقتباس، يُرجى الإشارة إلى المدونة كمصدر 

©2018 by آمال نوّار. Proudly created with Wix.com

bottom of page