جون آشبيري.. جلجلة أصوات ما بعد الحداثة
- آمال نوار
- Jan 13, 2019
- 10 min read
آمال نوار
العربي الجديد| 10 سبتمبر 2017

"منذ رحيل والاس ستيفينز في عام 1955 ونحن في عصر آشبيري"؛ مقولة بلسان الناقد الأميركي الشهير هارلود بلووم، تستحثّنا اليوم على السؤال: يا تُرى في عصر مَن سنكون الآن بعد رحيل جون آشبيري؟!
عن تسعين عاماً، (وبالمقياس الكوني المعاصر، عن قرنٍ أميركي إلّا عشر حروب!) رحل منذ أيام (في 9/3/2017) شاعر أميركا العظيم جون آشبيري، في منزله في هدسون في ولاية نيويورك. أسباب الوفاة طبيعية، لكن آشبيري لم يأخذ يوماً بأيّ أسباب طبيعية لحياته أو كتابته، لقد تنكّر بعقله الوضعيّ (أو المتقدم على الوضعية) لمنطق العقل الأصوليّ والجسد الأصوليّ وشذّ شذوذاً مباركاً أطال في عمره مجذّفاً عكس التيار.
جون آشبيري إحدى المنارات الريادية في الشعر الأميركي خلال القرن العشرين. شعره المجلجل بأصداء ما بعد الحداثة، يحثّ القارئ على التخلّي عن الآراء المُسبقة بشأن مآرب الشعر وقيمته وأساليبه لمصلحة شعرية تُراهن على الإمكانات اللامحدودة للغة، وتتأمّل في حساسية الوعي وقابليته للتلاشي في الخيال في أيّ لحظة. ثمة إجماع عام من الشعراء والنقّاد على صعوبة شعره، وطابعه الباروكي المعقّد والموسوعي الغامض. فهو على الرغم من التوصيفات المتعددة لأسلوبه في ما يخصّ سيولة تراكيبه، وعمومية مرجعياته، وباطنية دوافعه، وتوظيفه الشعري لمصطلحات فنية وعلمية، ظلّ زئبقياً ومستعصياً. وثمة مَنْ رأى كلّ قصيدة له في وصفها محاكاة لمعضلة الشعر نفسه. ولهذا، أمر مذهل حقاً ومُفارق، ما ناله هذا الشاعر المُبْهَم وما يزال، من رواج واسع وكثرة شعراء مُقلدين له أو متأثّرين به، لا سيما في العقدين المنصرمين، علماً بأننا في زمن بات معظم جمهور القرّاء فيه حِكراً على الشعراء سهلي الهضم.
اللافت أن آشبيري لطالما رفض الآراء القائلة بغموض شعره وتَمَنّعه، مُبيّناً أنّ ثمة مطارح فيه سهلة الاختراق، عبر المخيّلة وأحلام اليقظة. وهو لطالما تمنى أن يكون شعره متاحاً لأكبر عدد من الناس لا مجرّد حوار شخصي مع ذاته. وفي إحدى المرّات عبّر مازحاً بأنّ بعض النقّاد ما يزال يعتبره شاعراً سوريالياً أرعنَ، نشأته منزلية، وشعره يتنكّر حتى لقواعد المدرسة السوريالية ومنطقها.
يؤول الدنيوي في قصائد آشبيري إلى عوالم غريبة مدهشة. الغموض في شعره ناتج من أنّ الشاعر يُطلق العنان لنفسه في الانسياق خلف تيار الوعي في انعطافاته المفاجئة والموازية للتحولات الطارئة على أرض الواقع. والقارئ المستعدّ لملاحقته عبر دروبه المتعرّجة، سيجد المتعة في مشاركته تجربة الخيال، ذات الطابع المأساوي والهزلي في آن. وقد تجد تلك الانعطافات في شعره، من الواقعي اليومي إلى الخيالي المُدهش، تمثّلاتها على مستويات أخرى؛ عبر التحوّل المُباغت مثلاً من اللغة العاميّة إلى اللغة الأدبية، ومن التحليل المنطقي إلى الحَدْس الباطني، ومن عناصر موضوعية إلى مكونات دخيلة مُستقاة من لوحات فنية أو أفلام سينمائية قد تبدو بعيدة الصلة. وإنْ تنطوي قصائده على سرد قصصي، فحكاياتها غالباً ما ينقطع اطّرادها بمفارقات وتناقضات، عاكسةً حساسية سردية مولعة بالروايات البوليسية والألغاز والنهايات المفتوحة. عبر الابتكار والارتجال، يحاول آشبيري القبض على عشوائية التجربة والدور الذي تلعبه اللغة في خلق صورة واقعية طازجة، أكثر تناغماً مع حياة العصر. رغبته العارمة في تضمين قصائده أكثر ما يمكن من التفاصيل، سعياً لاكتشاف العلاقات المُربكة بينها وبين الوجود والزمن والإدراك، غالباً ما تستحيل في ذهن القارئ الذي تُعييه صعوبتها إلى مجرّد استعراض لفظي.
يشير الشاعر والناقد ويليام لوغان إلى أنّ "شعراء قلائل استطاعوا التلاعب بذكاء برغبتنا المتجذّرة إلى انقشاع المعنى. يُذكّرنا آشبيري بأنّ معظم الشعراء الذين يكشفون لنا المعنى، لا يفقهون فعلياً عما يتكلمون!". ووفق تصريح آشبيري في "لندن تايمز"، فهو لا يقع على أي تصريحات مباشرة من الحياة، "شِعري يُقلِّد أو يُعيد خلق الطريقة التي تأتيني فيها المعرفة أو الوعي، والمتحققة غالباً عبر نوبات ووثبات ومداورات. لا أعتقد أنّ في استطاعة الشِّعر المُنضبط ضمن أشكال دقيقة أن يعكس تلك الحال. شعري مُفكَّك ولا يحتكم لِنَسَق، ولكن كذلك هي الحياة".
والحقّ أنّ العالم ليس ملاذاً آمناً للشعر لكي يركن آشبيري أو غيره من الشعراء إلى حقائقه واعتباراته. قصائد آشبيري تشي بعدم احتمال إيجاد أيّ معنى جوهري في حياتنا المعاصرة، المأخوذة بالزائل والعرضي والاستهلاكي. أيضاً شعريته تنمّ عن انتقاد دائم للأدب الذي يرى في التجربة الإنسانية جاهزية لإضاءة المكنون الشعري للأشياء. الواقع بالنسبة إلى آشبيري مراوغ، موارب، والأشياء فيه ليست كما تبدو، ولا يُمكن فصل بعضها عن بعض كأجزاء مستقلّة منفردة، لأنها غالباً ما تتقاطع وتتشابك لتندمج نهايةً في وحدة كاملة ضخمة ودائمة التغيّر. مهمته كشاعر، نقل حال الترابط تلك، لا أن يكون منطقياً. والمُفارقة، أنّ تشاؤمه حيال القبض على حقائق الأشياء في عالمنا الواقعي، ينتج منه شعر مشرّع على الاحتمالات كلّها. قدرته على تقويض مُسلّماتنا، تحيلُ اليقينَ شكّاً، والأُلفةَ غرابةً، والوضوحَ غموضاً، والأهم أنّها تتنكّر للمنطق الذي يتوخّاه العقل في اقتناء المعرفة، لمصلحة التجربة وفوضاها الغنيّة. ويصرّح الشاعر:
"الشعر بالنسبة إليّ هو إلى حدّ بعيد المدّة التي يحتاجها لكي يتكشّف، على غرار ما تفعله الموسيقى... هو ليس شيئاً جامداً، قابلاً للتأمّل، مثل لوحة أو منحوتة".
شاعر بقبعة ساحر
تحت تأثير الفنّ التشكيلي المعاصر والسينما والموسيقى والفنون الأخرى، تشكّلت أشعار آشبيري. فهي تزخر بحضور الحركة التجريدية والطُرق المُفارقة في تصوير الواقع. ولو تأمّل واحدنا في قصائده بعين الناظر إلى جماليات لوحة فنيّة تجريدية حديثة، مُستحضراً قطرات جاكسون بولوك المتناثرة، ومستطيلات مارك روثكو المشبّعة بالألوان، وأجسام أدولف غوتليب الكروية، لبدت أقلّ صعوبة للفهم في مقارباتها الخيالية والعاطفية والفكرية. وتشكّل قصيدة آشبيري "صورة ذاتية في مرآة محدّبة" (1975)، المستوحاة من لوحة شهيرة (1524) بالعنوان نفسه، للرسّام الإيطالي النهضوي، فرانشيسكو ماتزولا الشهير باسم بارمیجانينو، نموذجاً تطبيعياً لقدرة آشبيري الفريدة على اكتشاف المُعادل اللفظي للفضاء التشكيلي، والقبض بالكلمات على تفاصيل الأشكال الثابتة والمُموّهة. فنجدها تحيل الأثر المَرئي إلى دقّة تعبير لفظيّ، مُردّدةً صدى المحتوى اللوني وأحياناً مُوغلةً في توسيعه.
شعراء كثر خلّفوا أثرهم البالغ في أشعار آشبيري، أمثال: ويتمان، رامبو، غرترود شتاين، غيوم أبولينير، مارسيل بروست، ماكس جاكوب، أوسكار وايلد، آرثر كرافن، ريمون روسيل. كذلك يحيلنا شعره إلى تيارات شعرية عدة، بدءاً بالإرث الرومنطيقي في الشعر الأميركي؛ من والت ويتمان وحتى والاس ستيفينز، ومروراً بـ "مدرسة نيويورك"، والتي انحاز شعراؤها إلى شعر أقلّ فصاحة وأكثر فكاهة لتجسيد الحياة المدينية والثقافة الشعبية، ووصولاً إلى الشعراء السوريالين الفرنسيين الذين عرفهم آشبيري أثناء إقامته في فرنسا لعقد من الزمن ومن خلال كتاباته النقدية وترجماته.
أثارت شعرية آشبيري ردود فعل نقديّة متضاربة. فثمة مَن قرّعه لفقدانه حسّ الرقابة الأودنية (نسبة إلى أودن) الذي يمتلك إلغاء النافل، ومَن اتهمه برغبته الإرادية في الانحراف والمعاكسة، ومَن لم ترقْه فكرة التناص، في مسعى الشاعر لخلق خطاب لفظي في موازاة خطاب الشكل واللون في العمل الفني التجريدي، ما يؤدي في نظره إلى فقدان قصائده سمة التماسك، والحدّ من محتواها الجوهري.
وثمة في المقابل مَن أثنى على خاصية الصعوبة في شعره، باعتبارها قيمة أدبية في حدّ ذاتها، مُحفّزة ومُسليّة، ومَن افتتنه أسلوبه في الرسم بالكلمات. وفي رأي الناقدة الأميركية هيلين فاندلر "إنّ آشبيري في الدرجة الأساس شاعر الحياة الأخلاقية، ولكنّ وسائله هزلية: سيناريوهات عبثية، مصادفات مستحيلة، أحزان شابلنية (نسبة إلى تشارلي شابلن)، إضافة إلى عامل مفقود في العمل الهزلي؛ قبعة ملأى بمناديل ملوّنة من اللغة".
الكاتب والصحافي البريطاني، براين آبليارد، أشار إلى ما تستحضره المعرفة المُتشظيّة من جمالية استثنائية يستحيل إنكارها، باديةً على سطح هذا الشعر على الرغم من الحيرة والإرباك اللذين يسمان النظرة الأوليّة إليه. كذلك اعتبر الشاعر والناقد فرَدْ موراماركو "أنّ تقنية آشبيري مُنعشة للذهن وآسرة، إذ نجد أنفسنا مفتونين بتلك اللوحات اللفظية التي يرسمها لنا، والتي تعيد صوغ الحقائق الدنيوية المضجرة لحياتنا اليومية إلى عالم ساحر، مدهش، غريب... الأدب والفن يمكنهما منحنا لحظات البَعْث تلك، ولئن كان لا مفرّ من عودتنا إلى الواقع، فلا بدّ لاحتكاكنا بتلك الجمالية أن يمسّ حساسياتنا، مُحدثاً نقلة فريدة في طبيعتها". الناقد فيكتور هاوز أثنى في مقالته عن "أيام المركب" 1977، على التنوّع الغني في شعر آشبيري، ولكنه تساءل "هل يمسّ القلب؟!" الناقد ج. أ. آفانت، رأى في "حلم الربيع المزدوج" 1970، عقلنة للعاطفة إلى حدّ إلغائها تقريباً!
لاندون هامر، رئيس قسم اللغة الإنكليزية في جامعة يال الأميركية كتب في عام 2008، "ما من شخصية برزت في الشعر الأميركي على مدى الخمسين عاماً الماضية أكثر من جون آشبيري، وما من شاعر أميركي اقتنى معجم مفردات أغزر مما لديه أو أكثر تنوعاً، حتى ولا ويتمان أو باوند". وكان ستيفين بورت، الشاعر وأستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة هارفرد، قد قارن آشبيري بالشاعر تي. إس. إليوت، معتبراً إياه "الشخصية الأخيرة في جيله التي ينقسم حولها شعراء اللغة الإنكليزية الأحياء إلى نصفين؛ الأول يراه مثالاً يُحتذى والآخَر يُعييه فهمه".
وهناك من النقّاد مَن رأى أنّ آشبيري يكتب عن قصائده أثناء كتابتها. بمعنى أنه يكون ناقدَ نفسه، متأمّلاً من خلف عدساته النقدية لحظة تخلّق الفكرة الشعرية، مولياً اهتمامه للتأليف نفسه أكثر مما للمحتوى. وكان آشبيري قد عرّف القصيدة بأنها "التأريخ لفعل الخلق نفسه الذي أنتج القصيدة". والحال، تمسي كل قصيدة تعريفاً ما لفنّ الشعر ضمن مواصفاتها الخاصة.
خط السير الزئبقي
لعل العنصر الأساسي في تميّز تجربة آشبيري، انفتاحه المستمر على التغيّر على المستويين الشخصي والشعري. لا طائل من محاولة تلخيص شعريته أو وصفها في لحظة راهنة! يقول إمرسون "الشعر كله ذو طبيعة انتقالية"، وعلى قارئ آشبيري الإذعان إلى سلسلة لا نهائية من الحركة والتنقّل، لأنه أمام شاعر خلّاق ساحر، ومتحمّس لفعل أو قول أو إقحام أي شيء بغاية خلق جمالية غرضها تحرير الشعر من ربق المتوقّع والسائد في التقاليد الشعرية. أسلوبه ينمّ عن رفضه فرض نظام تعسّفي اعتباطي على مسيرة الأشياء في عالم سمته الفوضى. شعره مرآة لحركة تدفّق المعارف التي تُؤسس لوعي الإنسان. صورته الذاتية المنعكسة من مرآته المحدّبة، كَتَبها بحيادية وبعيداً عن رأيه الشخصي بشخصه، متتبعاً خط سير الوعي نفسه. وهو خط ذو حركة غير قياسية ومتقطّعة، تتجسّد في طبيعة قصائده المتشظيّة التي غالباً ما تقفز من صورة إلى أخرى من دون مسوّغات منطقية؛ تقنية يراها بعضهم خارقة وبعض آخر فارغة.
وبعيداً عن الآراء المتضاربة وسائر النقاط الخلافية، حول هذا الشاعر المُثير للجدل بامتياز، لا أحد يمكنه إنكار مخيلته الشعرية العبقرية. هذه المخيلة الخصبة التي تؤجج بدورها مخيلة القارئ وتفتح أمامه قنوات جديدة لاستكشاف شعرية باذخة. شعرية مراوغة، صاعقة، مشرقطة، ناتئة، مُكَرْكَبة بفوضى العالم وضوضائه، تنطح بعنادها اللغوي وهذياناتها صخور المعنى. شعرية حداثوية، جريئة، فيها ما فيها من التلميح والمواربة والتهكم والحكمة، تلوي أعناق المفردات وتجمع في قاموسها بين لغة الفصاحة والرطانة ولغة نثريات ثقافة البوب والركام اليومي. معها لا يصحّ غير الاستسلام لهذا الفيضان والعنفوان، تماما كما يسترخي وجداننا للموسيقى أو للوحة تجريدية أو لمشهد طبيعي أرضي أو سماوي. الغاية لن تكون يوماً "إيثاكا"؛ آشبيري يأخذنا في رحلة ساحرة، مغامرة، مقامرة، جنونية، بهلوانية نحو هذا المارِق: اللاشيء!
صورة ذاتية في مرآة الحياة
ولد جون آشبيري عام 1927 في مدينة روتشستر في ولاية نيويورك، لأب مزارع وأم مُدرّسة. ترعرع في مزرعة غرب الولاية. في مراهقته تولّع بالرسم ودرسه حتى سنّ الخامسة عشرة. لم يمارس الكتابة الشعرية حتى دخوله جامعة هارفرد، حيث التقى بفرانك أوهارا وكينيث كوك وجيمس سكايلِر ليصبح معهم لاحقاً من شعراء مدرسة نيويورك. كذلك كان زميل الدراسة للشعراء روبرت كريلي وروبرت بلاي وبيتر دافيسون. كتب أطروحة دراسته الجامعية في أشعار دبليو. إتش. أودن. بعد تخرّجه عام 1949، انتقل إلى مدينة نيويورك، وحصل في عام 1951 على شهادة ماجستير في الأدب الفرنسي من جامعة كولومبيا. تأثّر بفنانين تشكيليين كثر، لا سيما البارزين في الحركة التجريدية، أمثال جاكسون بولوك وجاسبر جونز، وانخرط في عوالم الحياة البوهيمية.
شاعر في الإعلانات
بعد عمله في مجال كتابة الإعلانات في نيويورك بين 1951-1955، سافر إلى باريس، منتصف الخمسينيات، بمنحة تعليمية حيث عمل في النقد والترجمة. كان محرراً لقسم الفنّ في جريدة "نيويورك هيرالد تريبيون"، بطبعتها الأوروبية وناقداً في دورية "آرت إنترناشيونال" بين 1960-1965 ومراسل مجلة "آرت نيوز" (أخبار الفنّ) من باريس بين 1963-1966. كذلك ترأس تحرير مجلة "آرت آند ليترتشر" (الفنّ والأدب) بين 1964-1967. صدرت له في تلك الآونة ترجمات شعرية متفرقة، إضافة إلى قصص بوليسية تجارية نقلها متوسّلاً بها سدّ احتياجاته المادية. لاحقاً في حياته، ترجم نخبة من ألمع شعراء فرنسا، بينهم: آرثر رامبو (إشراقات)، ماكس جاكوب (كأس النرد)، بيار مارتوري (رسّام المناظر الطبيعية)، بيار ريفاردي (البيت المسكون)، إضافةً إلى أعمال كثيرة للشاعر ريمون روسيل. تجربته الفرنسية جعلته يُلقي عيناً باردة على الرمزية الجديدة لمعاصريه من الشعراء الأميركيين (إليوت مثلاً)، وحرصهم على منح كل كلمة أو عبارة أهميتها الموضوعية وبعدها الرمزي.
بعد عودته إلى أميركا، تابع كتابة النقد الفني، لا سيما في مجلة نيويورك ونيوزويك، كذلك كان عضواً في مجلس تحرير مجلة "آرت نيوز"، حتى عام 1972. بين 1976-1980 عمل محرراً في دورية "بارتيزان ريفيو". استمر منذ أوائل الخمسينيات وعلى مدى عقود من حياته، في النشر في مجلة "بويتري" (شعر) الأميركية. عددها الصادر في آذار/ مارس 2016، تضمن أربع قصائد جديدة له. في أوائل عام 1970 بدأ بالتدريس في كلية بروكلين، لينتقل عام 1980 إلى كلية بارد، حيث سيعمل أستاذاً للغات والآداب حتى تقاعده عام 2008.
له ما يقارب الأربعين إصداراً في الشعر والنثر والترجمة والنقد والمسرح، إلى جانب رواية كتبها مع الشاعر جيمس سكايلر. شعره يُدَرّس في الجامعات الأميركية على نطاق واسع. ترأس لفترة أكاديمية الشعراء الأميركيين، ونال لقب شاعر ولاية نيويورك من 2001 وحتى 2003. عضو في أكثر من أكاديمية، وحائز قرابة ثلاثين جائزة أدبية أميركية رفيعة، إضافة إلى واحدة فرنسية وأخرى إيطالية. اسمه رُشّح لجائزة نوبل الأدبية، ومنحه الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عام 2011، الميدالية الوطنية للعلوم الإنسانية، مثنياً على قدرته في تغيير الكيفية التي يُقرأ فيها الشعر.
بعيداً عن الشعر الاعترافي
المعروف أن آشبيري مثلي الجنس، إلا أنه لم يسلّط الضوء كثيراً في شعره على حياته الشخصية؛ الموضوع الرئيسي في الشعر الاعترافي. كذلك، تحاشى الظهور مع منظّرين أكثر انفتاحاً على مثليتهم أمثال جان كوكتو أو أندريه جيد. ونلحظ حين يتكلّم عن نفسه، أسلوبه المموّه في خلط الهويات، كما يظهر في قصيدته "موجة":
"لكونكَ طويل القامة وخجولاً، ما تزال تستطيع أن تواجه بوضوح أكبر التعريف الخاص بك. لستَ ساديّاً ولكنْ عليكَ الوثوق فقط بتفكّك ذلك التعريف يوماً ما عندما تُحذف الأسماء عن الأشياء، عندما الخصائص كلّها تغرق كالصواري في عاصفة نقض التعريف الهائلة".
ديوان آشبيري الأول كان "تُورَنْدو وقصائد أخرى" 1953، تلاه "بعض الأشجار" في 1956، الذي صدر ضمن "مسابقة سلسلة يال للشعراء الشباب" بعد أن اختاره وقدّم له الشاعر دبليو. إتش. أودن. وبدا فيه شخصية حافلة بالأضداد: متنسّكاً وفضوليّاً في آن، متأمّلاً وهزليّاً، حالماً وواقعيّاً، واعياً أدقّ تفاصيل الخطاب الأميركي ومُبتكر عوالم فريدة في اللغة الشعرية. ديوانه اللاحق "قَسَم ملعب التنِس" 1962، كتبه في فرنسا، وهو واحد من أصعب أعماله، ضمّ قصائد سوريالية أشبه بكولاجات مرئية. وفيه ظهر أسلوبه أكثر تجدداً، متمرّداً على تأثيرات شعرية أودن وستيفينز التقليدية التي طبعت قصائده الأولى. في "حلم الربيع المزدوج" 1970 و"ثلاث قصائد" 1973، يتراجع آشبيري عن راديكاليته الشعرية المتطرفة قليلاً، ليصالح بين التقليد والابتكار بأسلوب ماكر. إلى جانب تأثير عوالم الفنّ التشكيلي، بدا تأثير السينما أيضاً جليّاً في "صورة ذاتية في مرآة مُحدّبة" 1975؛ الديوان الذي حمل عنوان أطول قصائده، والذي تبنّى فيه الشاعر تقنيات الترجيع الفني والمونتاج والقطع وتلاشي الصورة. عنه فاز آشبيري فوزاً ساحقاً غير مسبوق ميّزه عن شعراء جيله، بثلاث جوائز أدبية مرموقة لعام 1976؛ جائزة بوليتزر والجائزة الوطنية للكتاب والجائزة الوطنية لجماعة نقّاد الكتاب. وكان النقّاد قد اعتبروه تُحفة تجسّد أقصى ما يُطلب من قصيدة أو شاعر، إذ فيه يغادر آشبيري ملجأ الأحلام الآمن لمواجهة المجتمع الخارجي ومشكلات العصر وأسئلته وأزماته.
على غرار أعمال آشبيري الأخرى، حظي ديوان "فندق لوتريامون" 1992، بآراء نقدية متضاربة بين مَن عال صبره في تقصّي معانٍ مشكوك في وجودها أصلاً، وبين مَن بادر إلى القصائد بذهنية أقلّ تطلباً وأكثر انفتاحاً معتبراً غموضها مسليّاً ومحفّزاً مع الإقرار بمناعة أبوابها. كتب آشبيري عن ثيمتَي التقدّم في السنّ والموت من دون التخلّي عن حسّه الهزليّ كما في أعماله: "يقظة" 1998، و"همسات صينية" 2002، و"فتيات هاربات" 1999. والأخير قصيدة ملحمية مُستلهَمَة من أعمال هنري دارغر (1892-1973) التي لم ترَ النور إلا بعد مماته. لم تكن لوحات دارغر سوى نقطة انطلاق للشاعر، ليتجه نحو ما يمليه عليه خياله وقراءاته الخاصة، ولينتهي إلى رؤيته الراديكالية.
قبل ذلك في 1991، كانت قد صدرت قصيدته الملحمية الأولى "خريطة سير العمل"، في كتاب جاوز المئتي صفحة، واعتُبرت من أهم أعماله وأكثرها إنسانوية، لاحتشادها بالأسئلة والأحجية والذكريات. واللافت، أنها لم تعكس مرحلة الصفاء الذهني، الذي غالباً ما يصحب نضج التجربة مع التقدّم في السنّ، إذ بدا الشاعر قلقاً وفاقداً القدرة على تحصين الذات. في عمر الثمانين أصدر آشبيري "بلد دنيوي: قصائد جديدة" 2007. وكغالبية أعماله، طرح هذا الديوان سؤالاً وجودياً تعجيزياً.
من بين أعماله الأخرى نذكر: "أنهار وجبال" 1966، "ثلاث مسرحيات" 1978، "كما نعرف نحن" 1979، "قطار الظلّ" 1981، "موجة" 1984، "سفن نيسان الشراعية "1987، "والنجوم كانت ساطعة" 1994، "أيمكنك سماع طائر؟" 1995، "اسمك هنا" 2000"، "كما تتعقّب المظلّات المطرَ" 2001، "أين سأتسكّع؟" 2005، "مختارات نثرية" 2005. وقد صدر في 2008 ضمن سلسلة إصدارات المكتبة الأميركية المرموقة، المتخصصة بنشر أعمال مشاهير الكتاب الأميركيين، الجزء الأول من أعماله الشعرية الكاملة، ضامّاً قصائد ما بين 1956 و1987، (اثنتي عشرة مجموعة) إضافة إلى ستين قصيدة غير منشورة سابقاً. وبذلك يكون آشبيري الشاعر الأميركي الأول الذي تُكَرّمه المكتبة في حياته. إصداراته الأخيرة، "خارطة نصف الكرة الأرضية" 2009، "سؤال سريع" 2012، "رِوَاق" 2015 و"جلبة الطيور" 2016.
コメント