top of page

اللعب بالصور

  • Writer: آمال نوار
    آمال نوار
  • Sep 12, 2018
  • 2 min read

Updated: Aug 3, 2019

آمال نوّار|

العربي الجديد 6 يوليو 2018|


عمل للفنان السوري خالد تكريتي

يموت الناس مرتين، مرّة في الحقيقة ومرّة في الصُوَر. في وهج حياتنا اليومية، بينما نأكل ونتبضّع ونعمل وننام ونصحو ونبحث أثناء القيادة عن أغنية تجاري المزاج، يكون أحدهم في غَشْية الموت والأرجح مقتولاً. ويكون الموت بفنونه المعاصرة انتخب دفعته الجديدة من اللحم الحي. بعد قليل سيقطنون في الصُوَر، ولا ندري أَبكامل قاماتهم أم أشلاء. بعد قليل سنشيح بوجوهنا عن الشاشات ولن نحصيهم، وإنْ نظرنا إليهم، فبعَيْنٍ واحدة، ومن باب التمرّغ بالقَهْر للحظة. وسيكونون من نسيج الخُرافة، لأنّ العاطفة تُداري ألمها بالشكّ والوَهْم؛ هكذا ببساطة كلّ ما يفوق احتمال القلب سوف لن نصدّقه. وسيموت الناس في صُوَرهم ثم سيموت موتهم في عيوننا لحظة نلتفت بخفّة مُخاتلين الحقيقة، هاربين من سماعها أو الرؤية إليها، مناورين أحاسيسنا بما اكتسبناه من فظاظة وقائية وخبرة بالنبذ والنكران عن طريق اتباع الحِمْية إبان حروبنا الشرهة.


الصورة شيء فاقد الموضوعية وفي غاية الخصوصية والشخصانية، وعليه، يصعب من خلالها تحييد أي معرفة عن العاطفة. والموت في أيامنا له أشكال مفرطة في اللا واقعية والهمجية اللا إنسانية، ولا سبيل لمعرفة حجم تداعياته في النَفْس فيما لو نظرنا إلى صُوره أو صدّقنا ما نراه، لأنه حينها لا سبيل لحَصْره في مكانه الفعلي ومنعه من التسلّل إلى أرواحنا والنيل من أحلامنا وأفكارنا والقضاء على ما تبقى من ولاءٍ للعَيْش في سِحْنَة وجوهنا.


الصورة اليوم ليست من سرياليات سلفادور دالي مثلاً. إنها مكرّسة للقَهْر، للَوْعة، للفظاعات، ولسرطانات لونية ترزح تحت الكابوس الكيميائي. الصورة اليوم مُعدة سلفاً لأجل إحراقنا وقضّ مضاجعنا. والمطلوب من هذا الشَّتَات المُقزَّح بمختلف الجنسيّات العربية في المخيمات الكثيرة والواحدة في آن، أن يُشتّتنا في بيوتنا الدافئة وعلى مقاعدنا الوثيرة. المطلوب أن نكون في الصورة، أن نستبدل أجسادنا الحيّة بأخرى ميّتة، أن نتأمّل رؤوسنا مقطوعةً، ونظراتنا تائهةً في العدم، أن نحرّك أيدينا للتأكّد من أننا لا زلنا أحياء. المطلوب أن نكون ظلالَ هذه الصور، تجرّنا وراءها إلى مكامن أسرارها، فوق الأرض وتحتها، في الحلم واليقظة، ومع الوقت تصير حقيقتنا، ومع الوقت الذي لا يلبث يقصر ويضيق تصير حقيقتنا الوحيدة.


هكذا مضمّخين بالبؤس والشقاء نتفرّج على عالم عربي مُنتهَك وممزَّق، يَعِظنا بالدّم، ويُسلّينا بأفلام الذبح والحرق، ويحاورنا بالسكاكين والقنابل. إنه الاٍرهاب يا ناس! ألا تفهمون؟! بلى نجيب! لقد أرهبنا الإرهاب بصُوَره ، ثم إنّ الذين يَرْهَبون جانب الإرهاب يرهبوننا بمثلها. الكيان لم يعد يحتمل، الشعور بالضآلة يُلازمنا، حيث أضحى هَمّ العَيش اليومي تُرَّهةً وترَفاً، واللُقمة الطيّبة في الفم مُجُوناً سافراً وعربدة، والتريّض بهناءة الآدميين كمن يرقص على الجثث.


تعصرنا الصُوَر العربية، مشهدها يتقطّر من أرواحنا ونحن في زوايانا النائية نغالب بشاعتها، ولا نهمل وسيلة كي نمحوها. لذا بات لا يجافي الصواب ألاّ ننظر إليها بإمعان، ونكتفي بمنحها طرف أعيننا مغمضين عقولنا وقلوبنا أو ربما يجوز لنا أحياناً اللهو بالمحيط الخلفي لمشهد الموت: أَثمة بحر أم شجر أم صحراء؟ ولا ضير في البحث عن القاتل في الصور كلّها بدل التركيز على الضحايا. ومن أجل ألا يغوينا مرأى أطفال الفواجع بكَيْ أكبادنا (نحن المقيمون دائماً على شفير الهستيريا والعُصَاب) نلوي عُنق أي فِكْر عَدَمي لدينا مهما صَلُب، ونعاود حُسْن الظنّ بالسماء، إذ لا بدّ من وجود أجنحة في قصة الوجود هذه. ونجدنا أمام الوجوه الصغيرة على الموت، نرفع رؤوسنا عالياً صوب الغيم، مواكبين أسراب أطفال لا نني نُطيّرهم من الصُوَر.

Comments


 جميع الحقوق محفوظة © 2018 لآمال نوّار ولأصحاب المواد المنشورة، وفي حال الاقتباس، يُرجى الإشارة إلى المدونة كمصدر 

©2018 by آمال نوّار. Proudly created with Wix.com

bottom of page