الصّعلوك الصغير
- آمال نوار
- Feb 17, 2019
- 3 min read
Updated: Jul 15, 2019
آمال نوّار
العربي الجديد 29 مارس 2018

(إليكَ أيّها الطفل التّعيس في البلد التّعيس، بمناسبة عيدكَ (٢٢ آذار / مارس) الذي لم أجده في بحثي على الإنترنت في أيّ قائمة أعياد لبلدٍ عربي؛ من فلسطين وحتّى جزر القمر (باستثناء بلد أو بلدين)، فقوائم العُطَل الرسمية السورية والعراقية واليمنية والليبية والجزائرية وغيرها من دول أمّتنا العربية، لا تحتفي بكَ - ومعظمها ولا حتى بأُمكَ - يكفيها الاحتفاء بجيوشها، وجلوس ملوكها وحكامها أو وقوفهم، وأعياد ميلادهم، وذكرى تصحيحهم لاعوجاج التاريخ.. أمّا أنتَ، فتنحَّ عن الطريق يا ولد، لئلا تدهسكَ عجلات التقدم العربي الكاسحة، وابقَ على الرصيف لتتفرّج، على تجُّار وفُجَّار الأُمَّة، كيف يستبيحونكَ مادةً دسمة للفُرْجة فقط).
الموتُ يزأرُ في البلد التَّعيس. حضارةٌ تُحوِّلُ أطفالها إلى ما يُشبه كائنات الأرصفة اللامرئيين؛ تلك الأشباح الصغيرة المُتشابهة في أذهاننا التي تتراكض في جادّات الطُرُق عند تقاطع سِمَات المُدُن العربية برمّتها، تنقرُ بتوسّلاتها على زُجاج عُيُوننا، وتُلوّحُ بأيدٍ خبيرةٍ بالغَوْص في نفايات اللإنسانية.
مهلًا! هل أضيفُ جديدًا؟! ليس هو طفلي المُغبّش هناك بضباب النهايات. نحن المُقيمون هنا في دَبَقِ الحياة، لم يفلح خيالُنا مرّةً في الربط بين نَسْلِنا والرصيف. وحتّى أننا حرصنا على ألا نضع أطفالنا في المَشْهد، وعاجلنا بإنسانيتنا المُسترخية في مقعدها الوثير، والتي نحتمي بجِلْدها، إلى حماية قِشرتهم الرقيقة من قسوةِ جِلْد طفلٍ حقيقيّ؛ جِلْد تشتدُّ سماكتُه بعِظَم تجاهلنا له إلى أن يطمسه الطَّسَم.
مَنْ يتذكَّر وجهَ طفلِ حربِ البلدِ التَّعيس أو وجهَ طفلِ رصيفِ البلدِ السَّعيد؟ ما مِن تقاطيع وجهٍ بعينها، إنما هي فقط أمَارات وصِنّة: شَعرٌ قَذِر، بَشَرة مُكفهرة، أسمالٌ وأحذيةٌ تتجاوز مقاساتها أعمار المهرولين بها، صُحُف صُفُر، وحاويات تَنَك أو طاسات تملأها قُروش الإنسانية بالرُعب، وماذا بعد؟ هل يَهمّ إنْ نسيت شيئًا بخصوص تلك النّظرة التي كأنما اتّفقَ أطفالُ القَهْر الكَوْني على تصويبها نحونا بحدّة اليأس نفسه وبريق شهوته؛ بريق كأنّه خليطُ دَمْعٍ وابتسامات مع شرارةٍ لحكمةِ المُقيمين دومًا على الحافَّات، ولمعةٍ خاطفةٍ من جمرةِ السُّخرية - أجل السُّخرية - حيث إذا ما أمعَّنا الإحساس بتلك النَّظرة، ستبُاغتنا سخريةٌ قابعةٌ في صميم البُؤس، ووحوشٌ في لُباب الوَهن، بحيث أننا كلما أسرفنا في التجاهل، كلما داهمتنا ذكراها الباهتة، أبدًا تتحدّانا بملامحها الممحوة التي تكاد لا تُذْكَر ولا تُنْسَى. مشهدٌ بين حُلمٍ ويَقظة، لطفلٍ غريبٍ لا يُشبه أطفالنا، ولكنه مألوفٌ لدينا ولا نريد لأطفالنا أنْ تشبهه. مشهدٌ يُؤذينا ولا نفعل تجاهه شيئًا، سوى أنّنا نُغذِّي النأي عنه والتبرّم به، وإذا كان على الشَّاشة، فستُسعِفنا حِيلتُنا على نسبته إلى عالمٍ افتراضي قصي، معظمه أكاذيب إعلامٍ وأضاليل.
طفلُ البلد التَّعيس تتضاعفُ صُوَرُه حياةً، كلما تضاءل عمره إبادةً. نراه قبل الموت، وعلى طرفِ لسانِ الموت، وما بعد الموت. نراه بشتاته مُنتشرًا كما لو وَبَرًا يكسو جسدَ وَحْشِ الحرب الرهيب. نرى أيضًا ذُبَابًا كثيرًا يحوم. تُرى، ما الرسالة التي يريد أن يُوجّهها الذُّباب للمتفرجين في المسرح الكوني، حين يحشد جُمُوعه على أمعاءِ طفلٍ فارغة؟
من الغريب أننا لا نلتفت إلى حقيقة أنّ أطفالنا؛ أطفال بيوت الإنسانية المَحمي سقفها، يفكّرون كثيرًا في مسألة جهنم. أطفالنا المُتنعمين يحدسون برعب الجحيم، وعالمه لا يغيب عن قاموس خطابهم، حتّى أثناء لَهْوهم. في حين أنّ أطفال البلد التَّعيس تقريبًا لا يفكّرون إلّا بالفراديس. ولو أوغلنا في تلك النَّظرة، سننتبه إلى أنّها ليست هنا في عالمنا، وأنّها في حُلُم متواصل يبعدها عن جحيمها القائم، إذ ما الحكمة في تجريب المُجرَّب؟ وهل يُفكّر الجائع في الجُوُع؟ والتَّعيس، الطفل، بِمَ يُفكِّر؟
الكِبار في تعمية متعمّدة؛ "أنْ تعرف وأن لا تعرف"، كما يُفسِّر لنا أورويل "التفكير الازدواجي": "أن تفقد الوعي عن وعي"، ونحن نعمد إلى نقل العماء إلى صِغارنا. طفلٌ هناك يُقيم في النهايات، وطفلنا هنا يُقيم في البدايات. نحتفي بميلاده كأنّما نحتفي ببقائه حيًّا، ونعرف أنه لحظة يُطفئ شموعَه تكون أطفالٌ بعيدةٌ قد انطفأت أرواحها بالمئات بمجزرة حضارية. لحظتها نُقرّر أن لا نعرف، ونهلِّل للحياة التي يجب أن تستمر بنَسْلنا المحظوظ المحفوظ هنا في البراءات والأصّح في البرادّات. لحظتها نفكِّر بجيلِ أطفالنا الذي ربما حين يكبر سيصل إلى المريخ ويبني عليه بيوتًا أكثر أمنًا.
آهٍ يا طفل البلد التَّعيس كيف نُتْلفكَ في محرقة التاريخ. إذا كنا نُغيِّبك حاضرًا؛ فكيف سنستحضركَ غدًا من الماضي؟! أنتَ أمامنا تموتُ فَتْكًا وسَقمًا ومَخْمَصَةً، ونحسبكَ في ميزان أدمغتنا الرشيدة أضرارًا جانبية. نحسبكَ "سوبرمان" المَنيّة، وقد خبرتَها إلى درجةٍ لم تعد معها خِشيتُنا عليك مبررة حتى ولو جاءتْكَ. فها أنتَ في الخبَر العاجل، طفلٌ غير عاجل، ويُمكن تجاهلكَ وتأخيرك إلى الصّف الأخير في الرأس. ويُمكن تأجيلكَ إلى ما بعد الغداء أو النوم أو العُطلة. ويُمكن رميكَ في أحد " قُبُور الذاكرة"، ولكن لا، لن نمحوكَ تمامًا، إذ لا بدّ من استعادة مشهديتكَ من ملامحها المُتفلتة ولو للحظات؛ لا بدّ من الاستعانة بكَ، حين يُعْيينا خيالنا المُطموس أمام إلحاح أطفالنا علينا كي نفسِّر لهم الجحيم.
يا طفل البلد التَّعيس، نحن ندبُّ وأنتَ تطير. نحن نتفنّن بالطَّهي والتّنجيم وبحِمْيَات التَّنحيف للشَّحم واللُبّ وأُخرى لاختراع السّعادة، وأنتَ هناك في الرماد الخُرافيّ تهيم، بلا اكتراث بتجاهلنا وتخفُّفِنا المَقيت.
أيّها الصعلوك الصغير، هل اخترتَ طريق الصعلكة بغريزتكَ الفنّانة؟ كأنّكَ لا تكترث لاكتراثنا من عَدَمِه، فأنتَ على اتِّصال مُباشرٍ بالموت، بينما نحنُ هنا ننتظرُ البَثَّ عبر أقدار الحياة الاصطناعية.
Comments